اسمح لي عزيزي القارئ بدايةً وقبل كل شيء أن أصف لك حالي. مذبهلةً، مذهولةً أحاول أن أضع قدامي على أرضٍ صلبة أتجذر فيها بعمق. على عكس توقعاتك، ليس هذا بسبب أزمة كورونا، لكنه نتيجة الزخم المعلوماتي الذي نشهده هذه الأيام من دورات وبرامج في مجالات مختلفة وعديدة. ناهيك عن الحوارات والنقاشات المفتوحة على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من المنصات.

حقيقةً، لم أعد أدرك لما كل هذا الزخم. هل هو تعويضٌ عن التباعد الاجتماعي الذي سببه كوفيد-19؟ أم أنه محاولة تسويق غير مباشرة من جهات معينة لتتفادى من خلالها الأزمة الاقتصادية التي نمر وسنمر بها حتما؟ أو أنه مبادرة مجتمعية لتعزيز قضاء الوقت في كل ما هو إيجابي ومفيد؟ لا رغبة لي عزيزي القارئ في أن أخذك في دوامة من الأسئلة اللامتناهية التي يطرحها عقلي في هذه الأثناء، ولكني أسعى جاهدةً لأن أهيء لك المناخ المناسب لطرح ومناقشة فكرتي.

إن إزدحام الشبكة العنكبوتية هذه الأيام بكم هائل من البرامج والدورات التدريبية، أدى ليس فقط إلى بطء وثقل اتصالنا بالإنترنت، بل إلى ثقل ذهني قد لا يشعر به الشخص في هذه المرحلة ولكن سيشعر به عاجلا أم آجلا. قد يظن البعض هنا أني أنتقد هذه المبادرات – حاشا لله بل أني أثني وأقدر كل مجهود مقدم، إلا أنني أقف أمام معضلة التعامل مع كل هذا الكم الهائل من المعلومات.

ما أسعى إليه في مقالي هذا أن نتمكن جميعا بطريقةٍ ما من استثمار جهودنا وقدراتنا العقلية والذهنية في هذه البرامج والحلقات بأفضل شكلٍ ممكن، من خلال تطوير آلية إنتقائية كوسيلة للخروج من هذه المعضلة. سأحاول من خلال طرحي هذا أن أعزز مفهوم بناء وإدارة المعرفة الشخصية. سأبدأ بتعريف المعرفة، آلية بناءها ثم سأقترح لك بعض المهارات المساعدة لإدارة معرفتك وتنميتها بالشكل المناسب. كما أعدك عزيزي القارئ بأن أدع لك مساحةً حرة تستطيع من خلالها الإبحار في علوم المعرفة وكنوزها.

تُعرف المعرفة بأنها «الإدراك والوعي وفهم الحقائق عن طريق العقل المجرد أو بطريقة اكتساب المعلومات بإجراء تجربة وتفسير نتائجها، أو من خلال التأمل في طبيعة الأشياء والتأمل في النفس، أو من خلال الإطلاع على تجارب الآخرين وقراءة استنتاجاتهم». في حين يعرّفها قاموس أوكسفورد بأنها «الخبرات والمهارات المكتسبة من قبل شخص من خلال التجربة أو التعليم، الفهم النظري أو العملي لموضوع ما».

أعتقد أنك ستنتبه هنا للتباين والاختلاف بين التعريفين، بالإضافة إلى معضلة غياب التعريف الموحد للمفهوم. ناهيك عن الخلط بين المعرفة ومفاهيم أخرى في مواضعٍ مختلفة ذلك نتيجة لارتباطها المباشر بها، مثل العلم، التعليم، المعلومات... وغيرها. سأحاول هنا توضيح المعرفة من خلال مقارنتها بالعلم، وقد آثرت استخدام هذا الأسلوب لأخلق تصورا واضحا في ذهنك قد يساعدك على بناء المعرفة وفق مفهومها الخاصة، بعيدا عن اللبس والخلط بينها والعلم تحديدا.

المعرفة أوسع امتدادا من العلم وأكثر شمولا عنه، فكل معرفة علم وليس كل علم معرفة. وهي تختص بالشيء مفصلا عما سواه، على عكس العلم الذي يتعلق بمجمل الأمر. أما الوصول إلى المعرفة فيتطلب تفكرا وتدبرا وتجربة، في حين يتطلب العلم الحصول على المعلومة والوصول إلى الحقائق العلمية بأدواتٍ معينة. خلاصة القول، إن ما يميز المعرفة عن العلم، أنها تأتي نتاج خبرات وتجارب نمر بها وتتطور معرفتنا من خلالها. في حين أن العلم هو ما تميزه عقولنا وتبدأ في تصنيفه وفقا للمعلومات التي تم جمعها مسبقا.

سأكتفي بهذا القدر من التعريف والمقارنة، لأن ما سأقوله لاحقا سيزيل حتما الضبابية عن ذهنك.

في الحقيقة، يمتلك كل منا معرفة وخبرات أولية سابقة، والتي تشكلت لدينا إما عن طريق البيئة الاجتماعية أو الثقافية. إذاً ينصب بناء المعرفة بشكل أساسي على الفهم والتجربة. على عكس ما نمر به هذه الفترة من جمعٍ وإكتساب للمعلومات، والذي يأتي بلا شك ضمن إطار عملية التعليم و التعلم.

يولي عالم النفس السويسري «بياجيه Piaget» – أحد رواد نظرية بناء المعرفة خاصةً لدى الطفل – أهمية كبرى للتجارب التي يعيشها الطفل وأثرها في تنمية قدراتها الفكرية والتعليمية أيضا. إذاً التجربة والتطبيق لهما الأثر المباشر في بناء المعرفة. فمن خلال عملية التكرار سنكتسب مهارات جديدة نعزز بها معارفنا.

من وجهة نظري، فأعتقد أن بناء المعرفة يتطلب أولاً وضع أهداف واضحة للمعارف المراد اكتسابها أو تعزيزها، مما يساعد على خلق رؤية وتصور واضح وواقعي للنتائج المتوقعة. للوصول لذلك يجب أن يتأكد الفرد منا أنه يعي تماما منظومة قيمه وأفكاره. كما يجب معرفة الاهتمامات الشخصية لأنها الدافع للبحث والتعلم واكتساب المعرفة، ثم النظر إلى المتطلبات الحياتية والعملية التي تعيننا على التقدم والنمو. وأهم ما يجب أخذه في الاعتبار هو الجو العام للرحلة المعرفية، ومدى الاستعداد الذهني والنفسي خاصةً في ظل الأوضاع الراهنة، فلا يجوز أن تبدأ باكتساب معرفةٍ ما ومازال ذهنك مشتتا ومشاعرك مضطربة حول الجائحة التي تمر بنا.

تأكد عزيزي القارئ أن كل ما تحاول تعلمه نابع من رغبة حقيقية بعيدا عن المؤثرات الخارجية، و أنك قادرا على تطبيقه. ولا بأس إن شعرت بغير ذلك، المهم أن تكون واعيا لما تشعر به.

إن التركيز على اكتساب المعرفة في ظل الثورة المعلوماتية هو سلاحنا الوحيد لبناء مجتمع معرفي قادر على الإبداع والابتكار. وأكثر ما يميز عملية بناء المعرفة أنها عملية ترقي وتحسين مستمر، تتحقق من خلال إدارتها بفعالية. والمقصود بإدارة المعرفة الشخصية هي مجموع الأنشطة التي يقوم بها الشخص من بحث وجمع وتصنيف وتطبيق، والتي تساعده في رحلة تعلمه ونموه الفكري.

تعتمد إدارة المعرفة بشكل كبير على المهارات الفردية، بالإضافة إلى المدخلات المعرفية ومصادرها. سأعدد لك أهم المهارات التي تساعدك بإمتلاكها على بناء منظومة فكرية متكاملة وهي: مهارة البحث، التفكر، التدبر، الإدراك، التنظيم، الربط، التقييم، التعبير، الخيال، التواصل والحوار. إن سعيك لتطوير هذه المهارات سيعمل بالتأكيد على تطوير معارفك وإدراتها، لضمان تحقيق النمو على المستوى الشخصي والمهني.

سأقف هنا عند هذا الحد تماما لأطرح عليك السؤال التالي، هل كنت تدرك مسبقا أن المعرفة ليست معلومات مجردة؟ وأن بناءها ليس فقط بتلقيها؟

أخيراً أعتذر إن أطلت عليك النص، وتذكر دائما أنه ليس المهم أن تعرف، بل الأهم كيف تعرف ما تعرف. وأسمح لي أن أوجه لك نصيحة أخيرة بأن تعرف بقدر ما تريد أن تعرف.

نشر هذا المقال في تاريخ
31/5/2020
تحت تصنيف
التنمية البشرية

المصادر:

1. المرجع الأول
2. المرجع الثاني
3. المرجع الثالث
4. المرجع الرابع
5. المرجع الخامس
6. المرجع السادس

التنمية البشرية

المزيد »