انتشرت في الآونة الأخيرة بوسائل الأخبار المختلفة أخبار الغش الجماعي التي تحدث في امتحانات المدارس والجامعات. وما يجعل ما يحدث الآن مختلف عن كل سنة سابقة هو أن الاختبارات لهذا العام الدراسي تحدث عن بعد وباستخدام الإنترنت أي أنها «امتحانات الكتاب المفتوح» مما يعني أن كل طالب يؤدي الاختبار في بيته بدون أي رقابة عليه وله القدرة على الاستعانة بكتاب الوزارة أو أي كتاب أو مصدر آخر لحل اسئلة الاختبار. وبالرغم من كل هذا التسهيل إلا أن ظاهرة الغش الجماعي وانتشار اجوبة الامتحانات بمواقع التواصل الاجتماعي ومجموعات الواتس آب بعد دقائق معدودة من ظهور الأختبار على شاشات الطلبة انتشرت بشكل لم يسبق له مثيل. ما أسباب هذه الظاهرة بالرغم من كون الاختبار «اختبار كتاب مفتوح» وما دوافعها وكيف يمكن التغلب عليها، تلك هي الأسئلة التي يجب على القائمين بالعملية التعليمية والتربوية وخبراء علم النفس والإجتماع من دراستها وتمحيصها لتقديم تفسيرات وحلول لها حتى تأتي العملية التعليمية على أفضل وجه.

لماذا لا يجب علينا التطرق إلى الأسباب التقليدية؟

لن اتطرق إلى الأسباب التقليدية التي يسوغها الأخرين ابتداءً من مستوى الاختبارات وعدم كفاءة الرقابة على اللجان إلى إلقاء اللوم على المدرسين وسوء العملية التعليمية برمتها. فكل هذا، في رأيي، عبارة عن «نتيجة» وليس «سبب». وسيكون من الصعب، إن لم يكن مستحيلاً، أن نعزل العملية التعليمية والدور الذي تقوم به المدرسة عن بقية المجتمع. فالمجتمع ككل أشبه بآلة ذات تروس عديدة، وكل ترس مرتبط بالأخر يتأثر به ويؤثر فيه. فما يبثه الإعلام يؤثر داخل البيت وما يتم قبوله في البيت ينعكس على المدرسة والعكس صحيح. وبالتالي فإذا أردنا أن نفهم ما يحدث في المدرسة فعلينا أن لا نفصل هذا عن ما يحدث خارجها.

أن الغش بشكل عام يجب النظر إليه كعرض لسبب آخر يمتد ليشمل تقريبًا كل جوانب المجتمع وليس المدرسة أو الجامعة فقط. وبالتالي فإن أي محاولة لحل ذلك العرض (الغش) لن يجدي نفعاً طالما وان أصل الداء والمسبب له لم يتم التعامل معه أو اصلاحه. ونكون بذلك كمن يلجاً للمخدر المؤقت متجاهلاً أصل الداء.

هل الظلم وراء انتشار السلوكيات السلبية؟

إن انتشار السلوكيات السلبية في أي مجتمع سواء كانت تلك السلوكيات هي الغش أو السرقة أو الواسطة أو المحسوبية يدل على أن ذلك المجتمع يعاني من «ظلم» فادح. وأنا أعني هنا بكلمة «ظلم» بمعناها الأوسع والأعم. في لسان العرب «الظُّلْمُ وَضْع الشيء في غير موضِعه» فمن اسْترْعَى الذِّئْبَ فقد ظلمَ.

كما أن الظلم عند عدم توافق النتائج مع المقدمات. وقد عرف العرب قديمًا هذا المعنى عندما قالوا «من شابه اباه فما ظلم»، لأنه من الطبيعي ان يشبه الولد اباه سواء في الشكل أو التصرفات وإذا لم يشبهه يكون الولد قد ظلم أبيه. كذلك قال الباهلي في كتابه «وأَرضٌ مَظْلُومة إذا لم تُمْطَرْ» كان العرب قديماً يقول «ظلمت السحاب الأرض» إذا ما أتت سحابة ولم تُنزل مطرًا، فالطبيعي أن يُنِزل السحاب مطرًا وإن لم يفعل يكون قد ظلم الأرض. فالظلم بمعناه الأشمل هو أن لا تأتي النتائج بحسب المقدمات التي سبقتها.

وعند تطبيق ذلك المبدأ نجد أن أغلب مجتمعاتنا مليئة بالظلم، وعلى جميع الأصعدة. فالمذاكرة والاجتهاد لن يؤدي بالضرورة إلى الحصول على المركز الأول. والحصول على المراكز المتقدمة في المرحلة الثانوية لا يعني دراسة ما ترغب. والاجتهاد في العمل لا يعني ترقيتك للمنصب الأعلى. الحصول على وظيفة ومرتب لا يعني الحصول على حياة كريمة. الوقوف في الطابور لساعات لا يعني إنك ستحصل على المنتج أو الخدمة التي ترغبها. قد يقول قائل بأن هذا يحدث في جميع المجتمعات والدول، وانا اتفق معه، إلا أن الفرق بين مجتمعاتنا والمجتمعات الاخرى عن مدى انتشار وتغلغل ذلك «الظلم» في المجتمع وعن رد فعل المجتمع تجاهه. ففي مجتمعاتنا ذلك الظلم أصبح هو القاعدة وعدم توافق النتائج مع المقدمات أصبح شائع حتى ألفه الناس ولم يعد يثير الاستياء أو حتى الاستغراب.

إذًا من أين أتى كل ذلك «الظلم»؟ ما مصدره؟ وما أصل ذلك السلوك؟

كل مجتمع لديه معتقداته التي يجتمع أفراد ذلك المجتمع على صحتها وتكون غير قابلة للنقاش وتشكل تلك المعتقدات قيم ذلك المجتمع، وتلك القيم هي ما يحدد سلوك أفراد ذلك المجتمع سواء كأفراد أو مجموعات.

طلاب يحاولون الغش في الاختبارات
طلاب يحاولون الغش في الاختبارات

إن أكبر مصدر لمعتقدات مجتمعنا هو «الدين». فعلى مدار 1400 عامًا شكل الدين معتقدات مجتمعنا. وعندما أقول «الدين» فإنني أعني فهمنا نحن للدين، ذلك الفهم الذي تم تشكيله ووعيه منذ مئات السنين الماضية والذي أنتقل من جيل إلى جيل حتى وصل إلينا دون محاولة فهمه أو اضافة اي جديد إليه بحسب المعطيات الجديدة. فهمنا للدين واقتصار ذلك الفهم على الشعائر فقط «صلاة وصيام وحج» أدى إلى انفصام بين ما يعتقده الفرد وبين سلوكه في الحياة اليومية. فأنا مسلم صالح طالما أؤدي الصلاة بموعدها وأصوم شهر رمضان وأحج لبيت الله. فالإسلام قد بني على خمس، إذا تأملناها نجد أنها كلها شعائر شخصية بين العبد وربه ولا ترتبط بالمجتمع الا في ركن الزكاة. تم فصل كامل ما بين السلوك والشعيرة، وتم تجسيد الدين على أنه الصلاة والصيام والحجاب، بمعنى أصح تقليص الدين الواسع والعالمي والذي أرسله الله تعالى إلى البشر كافة إلى بضعة شعائر شخصية في طبيعتها. وتم تجاهل قيم عظيمة تعتبر لب وقلب الدين، قيم مثل الحرية والمساواة والصدق والأمانة. تلك القيم التي كانت نقلة نوعية في الفكر والثقافة التي تأصلت منذ 1400 عام. تلك القيم هي من حول المجتمع العربي الجاهلي من قبائل متناحرة إلى مجتمع متحضر يمتد تأثيره لأقصى بقاع الأرض. لم ينتشر الدين الإسلامي لأن المسلمين كانوا يصلوا خمس صلوات أو يحجوا لبيت الله الحرام. بل انتشر الإسلام بما يحمله من قيم عليا مثل المساواة والعدل والإنصاف والصدق والأمانة. وبالتالي فإن القيم التي تكونت هي قيم زائفة ومشوه والسلوك الذي نتج عن تلك القيم سلوك مشوه.

الآن، نحن أبعد ما يكون عن تلك القيم، وفي رأيي ان أصل الداء يكمن في فهمنا الخاطئ لديننا الحنيف. فهمنا الخاطئ لمعاني مثل الحرية، التي في رأيي هي لب وأصل وقلب الدين. مثل الأمانة التي يمارسها الناس طالما هم الجهة المستفيدة منها، وينقلب الميزان إذا ما أصبحوا الجهة المتضررة. فلا مانع أن تصلي الأم الصلوات الخمسة وفي نفس الوقت تسعد وتبتهج إذا علمت ان ابنها أو ابنتها ستجتاز الاختبار وهي تعلم بأن هذا النجاح جاء عن طريق الغش. فالصلاة شيء والغش شيء آخر.

لقد ولدت مجموعة من الأفكار الغير سليمة نتاج فهمنا وتفسيرنا الخاطئ لمعتقداتنا على مدى عصور طويلة، وكانت هذه الأفكار كفيلة بتكوين ثروة مشبوهة من السلوكيات والممارسات السيئة.

كثيراً ما كنت أسمع أطباء علم النفس وخبراء التنمية البشرية يقولون إن إصلاح ما بداخل الإنسان يُصلح ما حوله، وكنت أتعجب من ذلك المنطق. إلا أنه عند تأمل تلك المقولة، تجد صحتها ودقتها. فلن يستقيم أبدًا عالمك من حولك دون إصلاح مافي نفسك من معتقدات وأفكار والتي هي أصل كل سلوك وأصل كل واقع. وبالتالي فإذا ما رغبنا في القضاء على ظاهرة الغش، لن يتأتى لنا ذلك إلا بتعميق قيم الأمانة والصدق. وإذا ما أردنا إصلاح أحوالنا بشكل أعمق وأعم فعلينا مراجعة مفاهيمنا التي ترعرعنا عليها نحن وآبائنا وهي كثيرة وليس هذا مجال حصرها أو سردها.

نشر هذا المقال في تاريخ
11/5/2020
تحت تصنيف
التعليم

المصادر:

1. المرجع الأول
2. المرجع الثاني
3. المرجع الثالث
4. المرجع الرابع
5. المرجع الخامس
6. المرجع السادس

التعليم

المزيد »