لا تنفكّ الشركات الكبرى عن محاولتها خلقَ توازنٍ ما بين المسؤولية الاجتماعية التي تقع على عاتقها وبين أهدافها المالية. وكنوعٍ من الدفاع؛ تقوم هذه الشركات الغير ربحية بالإدلاء بتصريحاتٍ تبدو غاية في الأهمية عما يسمونه المسؤولية الاجتماعية، ولكن.. هل يهدأ كفّ الميزان حين تظهر الأزمات المالية في المنتصف، أم يرجح؟ وإذا ما رجح؛ فهلا خمنتم إلى أي جهة؟

بالتأكيد، ستنقلب الموازين لتجعل من المصالح المادية أولوية قصوى.

يشبه الأمر في نتائجه الكيفيةَ التي يؤول عليها الأمر حين تتناوب الشركات في رعايتها لمشروعين في آنٍ واحد. والذي يذهب أحدهما أدراج الرياح حين تلوح أزمةٌ مالية في الأفق.

إن القرارات التي تؤخذ في مثل هذه المواقف؛ تتعرض لتمحيصٍ شديد يطلق عليه رواد عالم الأعمال – مفارقات استراتيجية. ومن أجل أن يضمن رجال الأعمال الحصول على النتائج المرجوة؛ يعملون على تأمين وجود ثلاثة عناصر تدعم بدورها الحلّ الذي يتم تصميمه للمشكلة، وهي: أولًا، حرّاس مشددون – وهم الطرف الأقوى الذي يتكئ عليه الطرف الأضعف وقت ظهور التحديات –، وثانيًا، صنع القرارات المرنة، وثالثًا، القيادة تحت مبدأ (التكيف والتقبل).

ولكي نتقرب أكثر من هذه المفاهيم، دعونا نسترجع ما حدث مع شركة «Digital Divide Data  (DDD)» التي تسخر عملها للجانب الاجتماعي من خلال تدريبها للأيدي العاملة  من أصحاب المعاناة على تكنولوجيا المعلومات ومتعلقاتها. وحين كان الفريق المؤسس يدير أعمال هذه الشركة؛ أيقنوا أن الاتجاه الذي تسير إليه الأعمال لا يساعد في صنع المال – كما هو هدف أي شركة –؛ وبالتالي، صُرفت الطاقات باتجاه المهمة التي عليهم إنجازها عوضًا عن التركيز على صنع المال في نفس الوقت! ولذا؛ شكلوا قاعدة متينة من ذوي العقول الراجحة وأصحاب القدرة على صنع القرارات المصيرية؛ مما بطّأ سيرَ الشركة نحو نهايتها. وفي تلك الآونة؛ كان أعضاء هذه القاعدة يركضون نحو إيجاد تحليل للوضع الراهن. وماذا كانت النتيجة؟ انقشع الغيم وظهرت حقيقة – على مرارتها إلا أنها واقع عليهم مواجهته. وهي أن على هذه الشركة أن تنهج دربًا يفضي بها إلى صنع الأموال ولا مفرّ! أو أن تستسلم للنهاية التي تعِد بإغلاقها في غضون أشهر. وهنا؛ ظهرت أهمية هذه القاعدة المتينة من – الحراس – المفكرين وذوي العقول؛ حيث أن حكمتهم أعادت الأمور إلى نصابها.

في سيناريو آخر يعود لـشخصين سعت Unilever لكسب شركتهما، وهما: Ben Cohen  و Jerry Greenfield. كانت تراودهما مخاوف من تزعزع المسؤولية الاجتماعية التي ترعاها شركتهما. فتوصلا إلى اقتراحٍ يدعو إلى فصل الإدارة بحيث يصبح بالإمكان الإبقاء على كل المهمات تحت السيطرة والتصرف. فيما ارتأى فريق Corning أن الحكمة تكمن في اتخاذ – حراسة – من نوع آخر. فقد قاموا بوضع كل المشاريع الواعدة تحت تصرف إدارة منفصلة عن الشركة؛ آخذين بالحسبان ميل المجموعات المسؤولة عن المنتجات بغض الطرف عن كل استثمار قد يمسّ بالتدفق المالي.

وكما لا يكشف الساحر عن سره، ولا يمنحه.. ينهج رجال الأعمال ذات الشأن حين يلهثون وراء الحفاظ على شركاتهم ورؤوس أموالهم. قد ذكرنا أن هناك عوامل ثلاثة تدفع بعجلة الأعمال نحو الأمام، وكنا قد تعرفنا على العامل الأول الذي يتمثل بالحراس الأشداء من رجال الأعمال ذوي الكفاءة العالية في إنقاذ المواقف. لكن.. هل يكفي هذا لكي لا تغرق السفن؟ بالتأكيد لا! وهنا يتجلى السحر الذي يضفيه العامل الثاني على المعادلة: اتخاذ القرارات ذات المرونة.

يسهم اتخاذ القرار الصحيح في تحسين رؤية الشركة وتمهيد طريقها نحو النجاح والصعود. وهذا ما تواجهه الشركات التي تعاني من التحديات بين جانبها المادي وجانبها الاجتماعي... هل تذكرون شركة DDD التي تعنى بتشغيل الأيدي العاملة من ذوي المعاناة والأزمات؟ اعتمد قادتها فيما سبق على التركيز على الجانب الاجتماعي الذي يقوم بتشغيل عمالٍ سبق لهم أن عانوا من العديد من الأمور مثل الاتجار بالجنس أو الإعاقة الجسدية. وبالقدر الذي نرى فيه هذا الأمر عظيمًا، إلا أن التدفق المالي لم يكن في أفضل أحواله وقتها. فاضطرت الشركة إلى انتهاج سبيلٍ آخر يخدم على حد سواء المهمةَ التي تنادي بها  والأهداف المالية التي ترنو إليها. وفيما يتعلق بمتطلباتها من القوى العاملة؛ رفعت مستوى الأداء المطلوب منهم إذا ما أرادوا أن يتم اختيارهم. ولم تتوقف عناية الشركة بهذا العنصر عند هذا الحد؛ بل أصبحت لا تغفل عنه حتى حين تختار أماكن جديدة للعمل. وكل ما سبق ذكره؛ يصب في بوتقةٍ واحدة وهي: إنجاز المهمات مع التركيز على استقرار تدفق الأموال.

تأثير شبكات التواصل الاجتماعية والمسؤولية الاجتماعية للشركات

الموازنة بين المسؤولية الاجتماعية والأهداف المالية ليست حكرًا على المؤسسات الربحية. وهذا ما نشهده في التحول الذي طرأ على شركة Lululemon – التي تصنع ملابس اليوغا. حيث بدأ الأمر باتباع خطة ترتكز على الموظف. وبما أن المشاكل تستمر في الظهور وتتغير في نوعها؛ ارتأى صناع القرار أن الوقت قد حان للالتفات نحو زاوية أخرى وهي الاهتمام بنمو الشركة وتطويرها. فقاموا بتوظيف العديد من المسوقين ذوي الخبرة لكي يقوموا بتوسيع نطاق الشركة وضمان وصول صداها لدائرة أوسع من الناس. ولكن هذا الفعل تعارض مع بعض نقاط القوة الخاصة بالشركة. وتبعًا لهذا الظرف؛ كان من الحكمة الانتقال إلى الخطة ب مرةً أخرى. وهي الدمج ما بين النهج القديم والجديد وإدارتهما سويًا.

لذا؛ تحتاج الشركات ذات الأهداف المزدوجة إلى اعتناق مبدأ القيادة التي تدعو للتكيف والتقبل. وحين نقول – شركة – فهذا يتضمن كل الكوادر العاملة فيها من أسفل الهرم حتى قمته. ولك أن تتخيل معي الشقّ الذي سيظهر للعلن إذا ما انقسمت الشركة إلى فريقين بآراء مختلفة لا يرضخ أحدها للآخر ولا يسعى للتكيف معه! سيكون الأمر كارثيًا بكل تأكيد لأن نتائجه الوخيمة ستطال الأهداف التي تسعى الشركة إلى تحقيقها وستضرب بها عرضَ الحائط.

يقف تصرف مؤسس شركة DDD، جيرمي هوكنشتاين مثالًا حيًا فيما يتعلق باعتناق مبدأ القيادة تحت ظلال التكيف والتقبل. فحين رأى ضرورة ملحة تدعوه لتوظيف قادة خبراء لم يتردد أبدًا. تمامًا كما فعل حين اضطر لتنحيتهم بعدما تجلّت في نهاية الأمر حقيقة أخرى تظهر الضرر الذي لحق بالمهمة الاجتماعية جراء قراراتهم. ولكن، هل نقول الآن أن خيار توظيفهم لم يكن صائبًا؟ أبدًا! لقد كان القرار الأفضل في حينه، وعزلهم عن مهماتهم ليس أقلّ عقلانيّة أيضًا حين ألحت الحاجة إليه.

شركة DDD ليست المثال الوحيد. فقد اعتنقت شركة Whole Food  ذات المبدأ حين قامت في بادئ الأمر بتوظيف ثلة من المثاليين من رجال الأعمال ظنًا منها أنه عين الصواب. وما لبثت أن تراجعت عن الأمر واستبدلتهم برجال أعمالٍ آخرين يتمتعون بمزيج من الحنكة في الريادة والطموح نحو الأفضل حين بدت الأمور في انحدار. وبهذا؛ غيرت من طريقتها المتبعة في الترويج تبعًا لتغير الظروف الراهنة.

نفهم مما سبق أنّ العوامل الثلاثة التي ذكرناها في هذا المقال ليست كافية للإبقاء على النجاح الارتقاء أو حتى لصنعه من الأساس. فبرغم أن الشركات التي سبق لنا ذكرها – على تنوعها من حيث الربحية والأهداف – قد نجحت وتخطت الكثير من الصعاب، إلا أن هذا وحده لا يعد ضمانًا للنجاح في كل مرة. ويرجع السبب في أنه ليس باستطاعتنا أن نغفل عن حجم التحدي الذي تمثله هذه الممارسات أمام الشركات وقادتها.

هل يعني هذا أنهم لن يجدوا نفعًا على الإطلاق؟ بالتأكيد لا. جلّ ما في الأمر أن على الشركات تعلم كيفية دمج أكثر من عامل في آنٍ واحد لكي لا نفسح مجالًا أكبر للمخاطرة. فعلى سبيل المثال: اعتناق مبدأ القيادة بالتكيف والتقبل وحده ليس كافيًا أبدًا. وقد شهدت شركة DDD هذه المخاطرة حين وظفت مدراء يعتنقون هذا المبدأ. ولم تُلقِ بالًا لأهمية وجود عنصر – الحراسة الشديدة – مثلًا! وفي تلك الآونة؛ لم تكن الشركة على دراية بأنها تتجه نحو الإفلاس! لذا؛ احتط قدر المستطاع، ولا ترتكز إلى عاملٍ واحدٍ وتدّعي النجاة، لأن عالم الأعمال مليء بالمفاجآت!

نستشفّ مما سبق؛ أنك لن تحصل على أفضل نتيجةٍ حين تعتمد عنصرًا منفصلًا من العوامل السابقة. لذا، تعلم كيف تسمح لهم بالتداخل؛ ولا تخشَ أن تفوض مشاكلك لهم بعد أن تتأكد من تطبيقهم بالصورة السليمة. وكن على يقينٍ أن الزرع سيؤتي ثماره حين يحين القطاف.

نشر هذا المقال في تاريخ
2/4/2020
تحت تصنيف
الحياة

المصادر:

1. المرجع الأول
2. المرجع الثاني
3. المرجع الثالث
4. المرجع الرابع
5. المرجع الخامس
6. المرجع السادس

الحياة

المزيد »