مشكلة التسويف أو المماطلة: كيف نتغلب عليها ونتخلص منها

قائمة أعمالك تلوح بين تحقيق المنفعة وجهدك المبذول، وأنت بينهم اللاعب والحكم

هل تساءلت كيف يمكن لك أن تمتلك الدقة وبعد النظر عند التعامل مع المهام والأمور صعبة التنفيذ والتي تتهرب منها بين الحين والآخر؟ فالأمر كله متعلق بتحقيق التوازن في تحليل الجهد المبذول والمنفعة المترتبة عليه، ذلك من خلال تعظيم أهمية وقيمة المهمة التي تنوي انجازها، في مقابل أن تصرف النظر نوعاً ما عن التكاليف والجهود المبذولة لها. هذا ويجب عليك أن تكافئ نفسك وتشكرها على إنجاز مهمة ومسؤولية شائكة أكثر من أن تصب جام التعب والإرهاق الفوري عليها جراء إنجازك ومعالجتك لتلك المسألة والتصدي لها.

كيف تعظم من منافع المهام وتجعلها أكثر واقعية

تخيل شعورك عند الانتهاء من مهمة ما

بداية، عليك أن تتصور في مخيلتك كم سيبدو الأمر رائعاً وعظيماً بعد إنجاز أي مهمة أو عمل وتحقيقه على نحو متكامل، فشعور الإنجاز يجلب البهجة والسرور إلى النفس، حيث توصل العلماء إلى أن الأشخاص يميلون إلى التوفير من أجل تقاعدهم في المستقبل لا سيما عندما يُعرض عليهم مشاهدة صور فوتوغرافية مصممة لهم يبدون بها في سن الشيخوخة. قد تتساءل ما السر في ذلك؟ فتأتي الإجابة وتقول بأن هذه الصور قد تجعلهم يستشعرون مستقبلهم بواقعية أكثر، كما تظهر منافع وفوائد التوفير للمستقبل أكثر أهمية.

ضف على ما سبق أنه عندما يُتبع هذا النمط القديم «lo-fi» في التعامل مع أي مهمة يحاول الأشخاص تجنبها بتأجيلها، من خلال قضاء بعض الوقت في رسم صورة ذهنية جميلة للمنافع التي قد نقطفها بعد الانتهاء من تلك المهمة، حيث تساعد هذه الطريقة على أقل تقدير على الخروج من حالة السخط التي نجد أنفسنا عالقين بها. لذلك إذا كان لديك مكالمة تتفادى القيام بها أو رسالة بريد الكتروني تؤجل الرد عليها، فكل ما عليك فعله هو أن تمنح عقلك وذهنك بعض الوقت لتخيل شعور الرضى الذي سوف ينتابك لو قمت بالرد على تلك المكالمة أو البريد الالكتروني أو أي مهمة قمت بتأجيلها، ولك أيضاً أن تتخيل نظرات الرضى في عيون الطرف الآخر وكمية الراحة الظاهرة على محياه حين يحصل على ما يحتاجه منك.

أخبر الآخرين عن التزامك بأداء المهام

يؤثر ابلاغ الآخرين عن التزامك بتنفيذ مهمة أو عمل ما قبل الشروع بهم إيجابياً عليك، حيث تعد هذه الخطوة دافعاً قويا لك وتمنحك ردة فعل قوية لتعظيم ما أنت بصدد فعله وبالتالي تحقيق الالتزام والقيام به على أكمل وجه، ذلك لأن نظام المكافأة في الدماغ أو الذهن «brain’s reward system» يتأثر ويستجيب بدرجة كبيرة جداً للمكانة الاجتماعية التي تتحلى بها أنت ومن أخبرتهم، فمثلاً لو كنت داخل اجتماع عمل وبه أبرز المسؤولين من شركات عالمية، ووقع على عاتقك تنفيذ مهمة ما، حينها يتوجب عليك تنفيذها على وجه السرعة حفاظاً على مركزك الوظيفي بين هؤلاء الجموع، لأن الحفاظ على احترام الآخرين لك أمر مهم حتى لو كانوا غرباء، ذلك حسبما أفادت الكثير من  البحوث والدراسات في هذا السياق. فلا أحد يحب أن ينظر له الآخرون على أنه شخص غبي أو كسول، لأن ذلك بكل تأكيد شعور محبط. لذا فإنك حين تمتلك الجرأة على اخبار الآخرين بأنك سوف تلتزم بتنفيذ المهمة وأنك ستسعى جاهداً لتسليمها في الوقت المحدد والمتفق عليه، فهذا من شأنه أن يعطي انطباعاً جيداً عن مدى ولائك ووفائك ويمنحك ميزة اجتماعية، كما قد يكون كافياً لتحفيزك إلى العمل على قدم وساق لتنفيذ أي مهمة أخرى مهما كانت صعوبتها.

تسلح بالمواجهة كي تقضي على داء الكسل وسلبياته

تُظهر البحوث إلى أن المعظم يميل بشكل غريب إلى تفادي تقييم وتقدير الوضع القائم بطريقة سليمة، فبينما بإمكان معظم الأشخاص التفكير ملياً في الإيجابيات والسلبيات المتعلقة بالقيام بفكرة وليدة اللحظة أو تنفيذ مهمة جديدة والعمل على تقديرها وقياسها من كافة النواحي، ولكن قلما يحاول هؤلاء النظر في إيجابيات وسلبيات عدم القيام بها وتسويفها حتى إشعار آخر، وهذا ما يعرف في علم السلوك بانحياز الإغفال أو السهو «omission bias» والذي يقود في نهاية المطاف إلى تجاهل الفوائد الجلية الجمة لإنجاز أحد الأمور.

يُذكر أن انحياز الإغفال أو المعروف بانحياز السهو هو عبارة عن النزوع للحكم على الأفعال المؤدية لنتائج سيئة بصورة أشد من الحكم على التغافل عن شيء ما، مما سيؤدي لنفس النتائج السيئة، فمثلاً لا يعتبر السكوت عن الظلم سيئاً كسوء الحث عليه وإن أدى كليهما لنفس النتيجة. وضمن السياق ذاته، افترض جدلاً أنك قمت مراراً وتكراراً بتأجيل المهام الضرورية الواجب عليك القيام بها للتجهيز للاجتماع القادم، فلا بد أن الأمور الأخرى الأكثر أهمية واثارة بالنسبة لك قد أشعلت بداخلك فكرة التأجيل والتسويف له، فتراك تخبر نفساً قائلاً: «حسناً، غداً سأفعل ذلك أو ربما بعد غد». ولكن بمجرد أن تقنع نفسك عُنوة عنها على التفكير بالآثار السلبية للتكاسل عن أداء هذه المهمة، فستدرك حينئذ عندما يأتي الغد بأن الأوان قد فاتك حتى تحصل على المعلومات التي تحتاجها من زملائك، ولكن مع هذا، فلا زال لديك فرصة الوصول بشرط أن تتخذ قرارك في الوقت المناسب قبل أن يصرعك الوقت بمروره سريعاً، فأنت وحدك من تتحكم بزمام الأمور.

امرأة تشعر بالنعاس كلما أرادت العمل والإنجاز

كيف تهون على نفسك الجهود المبذولة لتنفيذ المهام

ضع بادرتك الأولى

يحدث في كثير من الأوقات أن يحيد البعض عن الهدف الأساسي بسبب المهمة التي يسعون لتجنبها، فقد تجد في قائمة أعمالك مهمة «تعلم اللغة الإيطالية»، ولكن هل لديك القدرة على تنفيذ ذلك في فترة قياسية دون عناء وجهد؟ هنا تكمن الفكرة، حيث أن تقسيم المهام الكبيرة الغير منظمة إلى مراحل وخطوات صغيرة لا تتطلب جهداً أو وقتاً طويلاً وهذا قد يسهل عليك البدء بها.

ولعل الأفضل من ذلك هو تحديد الخطوات الأولية الأقل جهداً ووقتاً والأكثر سهولة حتى يستطيع ذهنك المتحيز للحاضر أن يرى منافع القيام بها أكثر من المتاعب المترتبة عليها. ولمزيد من التوضيح، مثلاً بدلاً من أن تكون المهمة هي «تعلم اللغة الإيطالية»، يمكن أن تكون «أرسل رسالة بريد إلكتروني إلى أليساندرو واطلب منه أن يقدم لك بعض النصائح حول تعلم اللغة الإيطالية»، فحين تحقق هذه المهمة الصغيرة، لا بد أنك ستشعر بمزيد من الحماس والتحفيز للمضي قُدماً في الخطوات التالية، وعليه فإن ذلك أفضل من أن تواصل الحاق اللوم على نفسك لضعف مهاراتك اللغوية.

اجعل من بادرتك الأولى فرصة للتمتع بوقتك

يستطيع أي شخص أن يجعل من عناء المهمة الأولى فرصة له ليستمتع بوقته إذا قام بربطها بأمر يحب القيام به، بمعنى آخر عندما يُلقى على عاتقك ما تكره فعله وتتجنبه دائماً، حاول أن تربط هذا بما يُدخل البهجة والسرور إليك فلا يمكنك تجنبه. فقد تسمح لنفسك مثلاً أن تقرأ بعض المجلات أو الكتب من أجل التسلية عندما يكون لديك وقت في نادي الرياضة، ذلك لأن المتعة المرتبطة بالمشقة تساعد الذهن على تخفيف الصعوبة قصيرة المدى لأداء التمارين الرياضية. كذلك يمكنك التحكم بضبط ذاتك لأداء أي مهمة مؤجلة إذا وعدت نفسك بأدائها في أحد المقاهي الجميلة بينما تتناول مشروبك المفضل.

رجل مشتت الفكر ويعاني من تأثير المماطلة

تخلص من القيود الخفية

بين الفينة والأخرى، يقع الإنسان أسير أصوات عقله الخفية فتراه يعيد التفكير مراراً وتكراراً في المهمة التي يريد تنفيذها، دون وجود أي نية أو عزيمة للقيام بالخطوة الأولى منها، ثم يلاحقه صوت عقله الخفي قائلاً له: «نعم إنها فكرة جيدة، ولكن... لا، لا، فلتؤجلها إلى يوم آخر»، وفي هذه الحالة؛ يجب على هذا الشخص أن يصوب بعض من أسئلته نحو هذا الصوت كي يتسنى له أن يفهم ما العائق أو القيد الذي يحول دون أدائه للمهمة الملقاة على عاتقه.

إن الامر لا يسترعي بالضرورة التوجه إلى طبيب أو مختص نفسي للحصول على علاج من أجل التخلص من هذه الحالة، وإنما يمكن معالجة هذا الوضع في جلسة صفاء مع النفس بتوجيه مجموعة من الأسئلة لها، كأن تقول: «لماذا أشعر بصعوبة القيام بهذا الأمر؟»، «ولماذا هذا الأمر بالتحديد؟» فما أن تسأل نفسك هكذا أسئلة، فستجد بعدها أن القيود والعوائق التي تحول بينك وبين تنفيذ مهامك تطفو جلياً على السطح كاشفة الستار عن نفسها، فيكون الأمر في كثير من الأحيان متمثلاً في الالتزام التنافسي الصارم تجاه أمر ما هو ما يثبطك عن القيام بالشيء الآخر ويبعدك عنه، أي أن صراع التنافس بين المهام المختلفة قد يُدوي صفيره من وقت إلى آخر.

وفي هذا الجانب، لنفترض أنك تواجه صعوبة في الالتزام بتحديد برنامج لأهدافك اليومية عند الصباح الباكر، وعندما تسأل نفسك عن سبب عدم الالتزام، فقد تجد على سبيل المثال أن العائق والتحدي يتخفى في رغبتك بأن تتناول طعام الفطور مع عائلتك في ذلك الوقت من الصباح. فما أن تتضح لك الأسباب الخفية التي تقف وراء هذا الصراع، فمن المرجح حينها أن تعثر على الحل المناسب للتغلب عليه، كأن تقوم بوضع قائمة أهدافك اليومية ما قبل النوم أو عندما تكون في طريقك إلى العمل أو داخله.

فعندما تقف مكتوف الأيدي وتحيط بك الحيرة من كل صوب وناحية لعدم قدرتك على أداء بعض المهام الطارئة، عليك ألا تقسو على نفسك، كن متأنياً ولطيفاً، وتذكر دائماً أن ذهنك بحاجة مساعدتك وتوجيهك.

حاول أن تجرب تنفيذ خطوة واحدة على الأقل لتجعل منافع القيام بالمهمة كاملة تبدو أكبر وأعظم، وأتبع خطوتك الأولى بخطوة أخرى لجعل صعوبة الأداء تبدو أقل، حينها سترفع قائمة أعمالك القبعة احتراماً وتقديراً لك على عدم تجاهل أي مهمة منها.

نشر هذا المقال في تاريخ
9/4/2020
تحت تصنيف
التنمية البشرية

المصادر:

1. المرجع الأول
2. المرجع الثاني
3. المرجع الثالث
4. المرجع الرابع
5. المرجع الخامس
6. المرجع السادس

التنمية البشرية

المزيد »