أهمُ النقاطِ لبناءِ حوارٍ مُثمِرٍ حضاريّ

إن التغييرات سريعة الخطى من أصعب الأمور التي تحدث في أي شركة. وحسب الكثير من التقارير، ظهر أن أصعب التحديات التي تواجهها أيّ شركة ليست توسيع البنية التحتية للشركة ومكوناتها التقنية أو إيجاد موظفين مؤهلين بالسرعة المطلوبة أو الاندماج مع الشركة الأم، وإنما التغيير السريع الحاصل في بيئة العمل.

هل تواجه الشركات مشكلة الحوارات والنقاشات الصعبة؟

تواجه بعض الشركات صعوبة في ضبط الحوار التشنجي والمشاحنات بين الموظفين. وحتى أن بعض الشركات تملك في جذورها ثقافة الجدال، من رأس الشركة وصولاً إلى أصغر الموظفين فيها. وقد تسبب أحياناً تغيير ملكية الشركة وازدياد عدد موظفيها بشكل كبير إلى سلوكيات لدى الموظفين لا تصب في مصلحة الشركة ولا تبشر بالخير.

ولكن هنالك جانب إيجابيٌ للخلافات، فالخلاف بالرأي والجدال أمران مُثمران جداً في الشركة، ويمكنني القول إنهما يشكلان معاً المفتاح الأساسي لنجاح العمل، ولكن بالمقابل، ليكون الحوار مثمراً وسليماً يجب تدريب الموظفين على النقاش بطريقة صحيحة.

الجانب الإيجابي من كثرة الآراء والخلافات:

وجدت أبحاثٌ أن تنوع الآراء يجعل فريق العمل أكثر ذكاءً. فوجود عدّة عقول تعمل معاً أفضل من وجود عقول متفرقة تعمل بشكل متفرق، وخصوصاً إن تواجَدَ لدى أعضاء الفريق الحماس لإبداء آرائهم ومشاركة خبراتهم لتطوير العمل.

وإضافة لذلك، تُظهِر دراسات أن معظم عمليات دمج الشركات ونقل ملكياتها لا تفشل بسبب النزاعات في بيئة العمل. بل العكس تماماً، فشركات مؤسسة تنهار بحالها من عدم تبادل الأفكار والصمت بسبب خوف الموظفين من اندلاع النزاعات مع زملائهم. وينطبق الأمر ذاته على حالات الطلاق، فعندما ترى زوجين صامتين لا يتقاتلان فذلك يعني أنهما وصلا إلى طريق مسدود لا جدوى من الجدال فيه.

وعلى الرغم من أن اختلافات الرأي والجدالات مرهقة أحياناً، إلا أن أحد ثمارها التقدم والتطور والإبداع للقدوم بحلول خلّاقة. وهي بالتأكيد أفضل من الحصول على موافقة الكل دون أن يبدي أحد برأيه.

ولكن لا يكون الجدال مثمراً وإيجابياً دائماً، فيمكننا أخذ الكونغرس الأمريكي كمثال على ذلك. فمن الناحية النظرية، يجب أن تكون خلافات الكونغرس إيجابية توصل إلى حلول ممتازة. وعلى الرغم من وجود المئات من أعضاء الكونغرس القادمين من ثقافات وولايات مختلفة، إلا أن خلافات الرأي فيما بينهم وجدالاتهم جميعها تفتقر للفكر التنموي والواعد. وفي الحقيقة، تكمن المشكلة الأساسية في القواعد التي تحدد أطر النقاشات والجدالات، فهي لا تشجع على إبداء آراء مثمرة ولا يخرج أحداً منها بنتيجة.

وللأسف أغلبنا يجد نفسه بجدالات وخلافات من ذلك النوع، غير مجدية وتفتقر للعقلانية والشفافية. فأحياناً نغرق في دوامة الرغبة بالفوز في الجدال، لتجميل صورتنا ونخرج منتصرين من النقاش. والمشكلة أن هذه العقلية تسبب في إنكار كل الحقائق والوقائع والمنطق الذين يخالفون معتقداتنا. لذلك نحن نجادل ونصارع بالرأي لفرض رأينا وليس لتحقيق أي هدف آخر.

يمكننا تغير نمط حواراتنا وخلافتنا بأسلوب منظم من خلال تبادل الأفكار والنقاش بشفافية وإبداء الموافقة أو الرفض حسب الوقائع والمنطق. وذلك لا يمكن تحقيقه إلا بتدريب الموظفين على التأقلم واتباع أنماط راقية ومنهجية، ويتم ذلك من خلال تطبيق النقاط التالية:

جميعكم تعملون لصالح واحد مشترك.

هنالك 3 أنماط رئيسية من الحوار، وهي: إقناع الآخرين أنك على حق؛ والإظهار أنك أفضل من معارضيك؛ وإيجاد حلول جيدة من خلال التكاتف. وبالتأكيد النمط الذي نرغب بوجوده في بيئة العمل هو النمط الثالث، ولتطبيق هذا النمط في أيّ شركة، يجب توجيه الموظفين على الطريق السليم، وذلك يتم من خلال بدء النقاش بوضع هدف مشترك بين الموظفين وإضفاء روح المشاركة والتأكيد على حقيقة أن كل الموظفين يعملون تحت سقف واحد. ويمكنك استخدام العبارات التالية لتوصيل هذه الأفكار:

  • نحن نعمل هنا كروح عمل واحدة، كرفاق عمل، وليس كخصوم.
  • هدفنا الأساسي هنا هو إيجاد الطريق الأمثل للوصول إلى أفضل الحلول.
  • أي وجهة نظر تصب في مصلحة الهدف الأساسي مرحب بها.
  • لن يكون بيننا فائز واحد، فسنكون جميعاً فائزين إذا حققنا الهدف.
  • جميعنا سواسية ولا يهم من الشخص الذي يطرح الفكرة، فلن تلعب مراتبنا الوظيفية دوراً في ذلك أيضاً.
صورة توضح خلاف بين زميلين في العمل
صورة توضح الصراخ والخلاف بين شخصين - لا تكن مثلهما

ركّز على الموضوع الأساسي وما تملك من حقائق ووقائع.

أهم محاور أي حوار والجزء الأصعب بكل تأكيد هو عدم التحييد عن الموضوع الأساسي. فكثيراً ما تنحرف الحوارات والنقاشات عن مسارها وخاصة عند شعور المشاركين أن آرائهم تتعرض للنقد والتهجم. وللأسف، العقلية البشرية متحجرة ومتحيزة لأفكارها في الغالب، وهو ما يوقعنا في حفر اللامنطق والمغالطات والتهرب من الأسئلة والحقائق. وما هو أسوأ من ذلك، أن الوقوع في هذه الحفر يجرفنا نحو إدخال مشاكل ومواضيع خارجية لا صلة لها بالعمل أبداً من أجل إثبات وجهات نظرنا. لذلك يجب على كل من يشارك في الحوار أن يمتنع عن طرح هذه الأمور على طاولة الحوار. وبصفتك قائداً للفريق، يمكنك استخدام العبارات التالية:

  • الحوار ليس لإظهار أيّ منا هو الأكثر اهتماماً أو قوة أو الأعلى صوتاً أو ما شابه.
  • لسنا هنا لقول الخطابات الملتوية وخداع بعضنا.
  • لا يجب أن نخلط بين الحقائق والتفسيرات الشخصية.
  • يجب أن نحدد الأفكار الخاطئة وإعادة صياغتها.
  • علينا التأكد من صحة الحقائق المطروحة وتحليل جودتها.
  • إذا انحرف الحوار عن موضوعه الأساسي، أعد توجيهه من جديد.

لا ترى الأمور من منظور شخصي.

تنحرف الحوارات عن مسارها عندما يشعر من يشارك فيها أن أفكارهم تحت الهجوم المباشر. وفي هذه الحالات، يلعب الجانب السيكولوجي لدى كل شخص دوراً سلبياً، فيصبح كل ما يهتم به الفرد هو ذاته، وهذا ما يدفعه إلى السير وراء عواطفه، وذلك يغلق بصيرته لرؤية أفكار غيره بحيادية، مما يَصبُّ في مجرى الفشل في ابتكار الحلول. ولتفادي الانزلاق في ذلك المجرى، يجب توصيل أفكار مناسبة لمنع شخصنة الحوار. ويمكنك ضمان ذلك من خلال الأفكار التالية:

  • ابتعد عن الأنا فقد تعيق تقدمك وتقدم زملائك وفريقك.
  • الألقاب ممنوعة والتهجمات الشخصية مرفوضة.
  • ابتعد عم الأسئلة التي تولّد الخلاف بين الحاضرين، وبدلاً من ذلك وجه التركيز نحو جوهر أفكارهم. فلا تسأل أسئلة تهجمية مثل: "حقاً؟ أهذا هو الصحيح برأيك؟"، وبدلاً من ذلك يمكن استخدام أسئلة أكثر وديّة مثل: "لماذا تعتقد أن ذلك صحيحاً؟"
  • لكل شخص شكوكه، ويجب ألا نحكم على النوايا اعتباطياً.
  • لن ينهار العالم إذا غيّرنا رأينا.
  • كافئ من يدفع الفريق إلى التقدم، وليس من هو على صواب.

كن متواضعاً وابتعد عن الغطرسة.

ليكون الحوار مثمراً يجب أن يُظهِرَ المشاركون الاحترام تجاه آراء بعضهم البعض، وأن يكونوا مستعدين لتغيير آرائهم عندما يكون ذلك هو القرار السليم. فالابتعاد عن التطرف بالرأي وسماع الآخر من أهم مقومات الحوار البنّاء. ولضمان تحقيق ذلك، تذكر دوماً النقاط التالية:

  • كونك قائد فهذا لا يعطيك حق الغطرسة والتعالي.
  • لا تفكر بالأمور من ناحية شخصية.
  • أنصت واحترم رأي كل شخص مشارك في الحوار، حتى لو كان رأيك يعارض رأيه.
  • اعترف بالخطأ وكن صريحاً، وتقبل برحابة صدر أفكار الآخرين النيّرة.
  • اهتم بكل التفاصيل والأفكار، فحتى الأفكار السيئة تمتلك جانباً مفيداً، فقد تنير دربك للوصول إلى فكرة خلّاقة سليمة.

الخلاصة:

من المهم جداً اتباع النقاط التي ذكرناها هنا في أي حوار، سواء كان يجري الحوار مع صديق أو في اجتماع عمل. ولكن يجب ألا ننسى أن مهمة تنظيم الحوار وإبقاء النقاش حضاري هي مسؤولية المترأس للاجتماع في المقام الأول، والمشاركين الآخرين في المقام الثاني.

نشر هذا المقال في تاريخ
28/4/2020
تحت تصنيف
التواصل

المصادر:

1. المرجع الأول
2. المرجع الثاني
3. المرجع الثالث
4. المرجع الرابع
5. المرجع الخامس
6. المرجع السادس

التواصل

المزيد »