جوانب مهمة لبدء محادثة حسّاسة

قد نُجبَر في كثير من الأحيان على اتخاذ قرارات صعبة، مثل إقالة أحد الموظفين لدينا. وفي الحقيقة، قد لا نملك الجرأة لإقالته لمعرفتنا لتبعات الموضوع وحيثياته. فعلى سبيل المثال، لنفترض أنه يوجد لدينا موظف يتراجع أداؤه سنة بعد أخرى، ولكنه ذو شخصية لطيفة ونابضة بالحياة لدرجة أننا نبقيه في العمل بسبب شخصيته المحبوبة. وإلى جانب شخصيته، لنقل أن راتب الموظف ضروري جداً لحياته وحياة عائلته، ونعلم يقيناً أنه في حال طردناه من العمل، لن يجد بسهولة عملاً براتب مشابه. ولكن بالمقابل هنالك حقيقة أن هذا الموظف غير كفءٍ لأداء عمله بأتم شكل ممكن وأنه لا يُنهي المشاريع المطلوبة منه إلا بعد إلحاح كبير ومناوشات دون الأخذ بأولويات المشاريع بعين الاعتبار. ولنقل إننا تحدثنا معه حول أسلوبه السلبي في العمل، وقال الموظف أنه سيتغير ونحن صدقناه، فكل إنسان يستحق فرصة ثانية. ولكن للأسف نكتشف بعد عدّة أشهر من وعوده الفضفاضة أن الوضع أصبح أسوأ مما قبل وبدأ زُملاؤه بالعمل بالنفور والشكوى من أسلوبه في العمل. هنا يصل الصبر إلى حدوده ولا مجال لإعطاء الفرص بعد الآن.

يجب أن نسأل أنفسنا سؤالاً قبل أيّ شيء:

هل المشكلة أن الموظف لا يريد التغيير أم المشكلة بأسلوبنا بالحديث معه حول تراجع أدائه؟

يقول بعض الخبراء في الإدارة أن الطريقة التي نتعامل فيها مع المحادثات الحساسة والمصيريّة تلعب دوراً أساسياً في مقدار التأثير على الموظف وصحة الفريق واتساق الإبداع وقوّة العلاقات مع الزبائن وحتى استمرارية الزواج والصداقة. وتُثبت التجربة أنه وبعد مراقبة مجموعة من الأشخاص، توصّل الخُبراء إلى نتيجة أنه كلما ازدادت حساسية الأمور، نُخفِق في التعامل مع تلك الأمور أكثر. فنبدأ إما بالخضوع أو الإجبار، أو التعتيم أو المبالغة، أو الهجوم أو الدفاع.

ليس من الغريب أن نرى كُتباً حول هذه المواضيع تُباع على نطاق واسع. فجميعنا نبحث متلهفين عن أي نصيحة لحل مشكلة التعامل مع المحادثات الحساسة والمفصلية. ومن بين الجوانب التي غالباً ما نريد اتقانها هي طرق تكوين الجمل التي يجب بدء الحديث معها وطرح مخاوفنا على الآخرين وضمان تقبل واستعداد الشخص الآخر وعدم الانحراف عن المسار الصحيح لإيجاد الحلول المطلوبة. وعلى الرغم من أن معرفة الطرق المناسبة لفعل ذلك هي في غاية الأهمية، إلا أن المفتاح الرئيسي للنجاح في المحادثات الحساسة يتعلق بشكل أكبر بما نفعل قبل البدء بالمحادثة ذاتها.

هنا سوف نستعرض أربعة أمور يجب القيام بها للاستعداد لخوض مناقشة حساسة ومصيرية، والالتزام بهم يزيد من تأثير كلامنا على الطرف الآخر.

حدد دوافعك. في ظل ظروف موتّرة وضغوطات كثيرة، تُحجَّم دوافعنا لتصبح رهينة اللحظة وتظهر لدينا الأنانية. وبسبب ذلك يتملكنا القلق حول ما سيُعجب الطرف الآخر، وكيف سنبدو أمامه وهل ما نقوله صواب وهل سننجح بالنقاش ونتجنب النزاع. فكثيراً ما تكون دوافعنا متوجهة للحفاظ على السلام راغبين في تسهيل الأمور وجعلها أفضل بأسهل الطرق وأقصرها. والمشكلة في الدوافع قصيرة البُعد هي أنها تركز على الحاضر ولكن تُهمِل المستقبل. فإذا تجنبنا النزاع والخلاف مع الموظف سيئ الأداء، فذلك يعني أننا سنضطر إلى إبقائه بالوظيفة وبذلك نُسيئ للعملاء والموظفين على حد سواء، وحتى أننا بذلك نخاطر بخسارة بعض العملاء أيضاً. ولكن أظهرت التجارب أنه في ظروف التوتر والضغط لا يكون الهروب من المشكلة حلاً دائماً لها. فالهروب يحيّد تركيزنا عن المشكلة لنركز بدلاً من ذلك على تفادي مواجه المشكلة.

أول ما يجب فعله عند التحضير لنقاش حساس أو هام هو إعادة توجيه دوافعنا. وبإمكاننا تغيير دوافعنا بالكامل بالإجابة بصدق وشفافية على سؤال بسيط هو: ما الذي أريده بالضبط؟ ومن الأفضل أن نُقسّم هذا السؤال إلى أربعة أجزاء: ما الذي أريده بالضبط لنفسي؟ وللشخص الآخر؟ وللعلاقة معه؟ وللأشخاص المعنيين؟

أهم ما علينا فعله بكل تأكيد هو التركيز والعزم والهدوء وخلق الرغبة بالعناية بالغير والتحلي بأخلاقيات العمل لمساعدة الموظف ضعيف الأداء في إيجاد وظيفة أفضل يمكنه فيها الأداء بشكل أفضل. وذلك لنُظهِر للموظف أننا مهتمون به وبوضعه الماديّ، وبالوقت ذاته نبقي العملاء راضين وزملاء الموظف مُرتاحي البال. وربط تلك الجوانب يساهم بشكل كبير بتغيير تأثير ما نقوله للموظف الذي نعاني من أدائه.

سيطر على عواطفك ومشاعرك. تعد العواطف والمشاعر الجياشة عائقاً آخر لخوض نقاش مثمر. فقد نشعر بالغضب أو الخوف أو نأخذ موقفاً دفاعياً أو تنجرح مشاعرنا. ولكن الملفت للنظر أن عواطفنا لا علاقة لها بما يفعله من نُجري معه المحادثة، وإنما ترتبط بالقصة التي نُقنع أنفسنا بها حول ما يفعله الشخص.

وعلى سبيل المثال، قبل إقالة شخص ما، غالباً ما يفكر المُدراء بمبررات لما يفعلوه، كبناء قصتين ببطل لكل منهما، واحدة بطلها ظالم والأخرى بطلها ضحية. فذلك يساعدهم على رفع المسؤولية عن أنفسهم فيما يتعلق بالمشكلة المطروحة. فقد نسمع صوتاً بداخلنا يقول: لقد كنت صبوراً وفي غاية اللطافة معه، ولم يكن هنالك شيء آخر بمقدوري فعله ولم أفعله، فهو من أوصل نفسه لهذه المرحلة! تجعلنا المُبررات (لعب دور الضحية) نظهر بمظهر البريء لا حول له ولا قوّة.

ويساعدنا دور الظالم في تبرير أي إجراء سلبي نتخذه بحق الموظف من خلال إعطاء إلصاق دوافعنا الشريرة أو الكيديّة بظهر الطرف الآخر. بحيث نجعل الموظف شخصاً يستحق المعاناة والعقاب. فقد نسمع صوتاً بداخلنا يقول: "لا أستطيع تصديق أنه لم ينجح بتغيير مساره كما طلبنا. إنه شخص كسول ويفتقر للدافع والالتزام. قدمت له الكثير من الفرص ولم يحرك ساكناً بالرغم من تنبيهنا له!".

ما يجب فعله هو مواجهة الحقيقة وتحدي هاتين القصتين التي نرويهما لأنفسنا. أول خطوة هي أن ترى الموظف كإنسان فقط، دون اعتباره جانيّاً واعتبار نفسك ضحية. اسأل نفسك، "ما الذي أتجاهل النظر إليه؟" و"لماذا يعمل شخص مُتّزن وخلوق وعالي المؤهلات بهذه الطريقة السلبية والأداء المُنخفض؟"

وبعد التفكير في هذين السؤالين يمكنك أن تجد أن هنالك الكثير من الطرق التي تثبط فيها ردود أفعالك. فبالإجابة عليهما يصبح بإمكانك رؤية الموقف من زوايا مختلفة، كرؤية الموظف أنه عمل جاهداً للتغيير، ولكن المنصب الذي يشغله ليس مناسباً لقدراته؛ شخص مناسب في مكان غير مناسب. وبالتفكير بهذه الطريقة سوف تشعر بالاحترام الداخلي والعزم بدلاً من التقوقع والغضب.

اجمع الحقائق. بشكل أساسي، نبدأ المناقشات الحساسة متسلحين بوجهات نظر متعارضة. فمثلاً، من المحتمل أن يدخل الموظف في النقاش معتقداً أنه يحرز تقدماً جيداً ويستحق الاستمرار في العمل. ولكن أنا بالمقابل لا أرى ذلك صحيحاً. وبذلك، غالباً ما تنحرف المحادثة إلى منحدر الاستنتاجات المتضاربة بدلاً من تبادل المعلومات والتوصل إلى حل. أنا أقول رأيي، وأنت تقول رأيك. بحيث نقع في دوامة المشادات والخلافات دون نتيجة.

لا تبدأ محادثة حساسة بقول استنتاجاتك. وبدلاً من ذلك، شارك الحقائق والوقائع التي توصلت من خلالها إلى تلك الاستنتاجات. رتب معلوماتك ونظمّها أولاً. اشرح المنطق الذي اتبعته للوصول إلى استنتاجاتك. كما أن جمع الحقائق هو الخطوة الأهم لبناء محادثة سليمة. إذا كنت ترى أن الموظف غير مناسب لإدارة المشاريع أو الموظفين الآخرين، فعليك أن تبني وجهة نظرك وتقدمها له دون تذمر وبصدق وبانفتاح. ويجب أن تكون مستعداً للسماح له بمجابهة وجهة نظرك أيضاً، وهو الأمر الذي ينقلنا إلى الخطوة الأخيرة.

كن فضوليّاً. أهم مسار تسلكه في محادثة حساسة هو مسار يدمج بين الثقة والفضول. فيجب أن تفكر جيّداً بوجهة نظرك لتصل إلى مرحلة تتأكد فيها من صحّتها. ويجب أن تدقق بأدق التفاصيل والحقائق لتصل إلى استنتاجك، وعدم التغاضي عن أي تفصيل مهما كان صغيراً. كثير من الناس يكبحون فضولهم لأنه برأيهم يضعف من مكانتهم. ولكن في الحقيقة، يحدث العكس تماماً. فيجعلنا الفضول أكثر إقناعاً. كما قال دين روسك ذات مرة، "إن أفضل طريقة لإقناع الآخرين هي بالإصغاء إليهم جيداً". عندما تستمع باهتمام وإخلاص، يشعر المتحدث بالراحة ويضعف شعوره الداخلي لرفض رأيك.

فمن الممكن أن نتجه إلى الموظف لنخبره بقرارنا بكل ثقة، ولكن سماع أصوات من حولنا والانفتاح لقراءة المعلومات قد يجعلنا نعكس قرارنا بالكامل. وبتبني هذا الأسلوب، سوف نشعر بالتعاطف والعزم بالوقت ذاته. وذلك سيشعرنا بالاستعداد لقول القرار بأريحية كبيرة، على الرغم من عدم سعادتنا لاتخاذ قرار قاسي كإقالة الموظف أو نقله إلى قسم آخر. ولكن بكافة الأحوال، إن كان قرارنا هو إقالة الموظف، فيمكننا بعد ذلك أن نحاول مساعدته من خلال إيجاد العمل المناسب لكفاءاته وشغفه في بيئة عمل أخرى، أو الاطمئنان عليه وعلى عائلته ومساعدته إلى حين أن يجد عملاً جديداً.

خوض حوارات مفصلية وحاسمة تتسم بالحساسية ليس بالأمر السهل، ويجب تنظيم ما يجب أن يُقال بحذر أولاً. ولكن من المهم أن نركز أولاً وبشكل رئيسي على دوافعنا وتوقعاتنا وأفكارنا لنصل إلى قرارات سليمة. فثمار النقاشات الحساسة لا تَنبُتُ إلا بجمع أفكارنا ودراسة الحالة من جميع زواياها ومن ثم قول ما لدينا بالطريقة الصحيحة.

نشر هذا المقال في تاريخ
26/1/2020
تحت تصنيف
التواصل

المصادر:

1. المرجع الأول
2. المرجع الثاني
3. المرجع الثالث
4. المرجع الرابع
5. المرجع الخامس
6. المرجع السادس

التواصل

المزيد »