العواقب الغير مقصودة للتكنولوجيا القائمة على الخوارزميات

في وقتنا الحاضر، تلعب الأنظمة والبرامج القائمة على استخدام الخوارزميات دون أي تدخل بشري دوراً هاماً في الأسواق المالية.  ولضرب مثال على ذلك، تدير الخوارزميات ما نسبته 85% من كافة عمليات التداول التجاري في أسواق تبادل العملات الأجنبية، حيث يؤدي تزايد سباق التسلح الخوارزمي في تطوير أنظمة أكثر تعقيداً للمنافسة بها في الأسواق التجارية، إلى تخصيص مبالغ مالية ضخمة تتناسب مع القرارات التي تتخذها الآلات.

ولكن عندما نضيق حلقة تفكيرنا، نرى بأن الأشخاص وكذلك الشركات المُصنعة للخوارزميات تمتلك إمكانية التأثير على تلك الخوارزميات والتحكم بها من حيث ما هو القرار الذي تتخذه وكيف تتخذه. ولكن في ظل سعي مجال الذكاء الاصطناعي لبرمجة الآلات والأنظمة حتى يكون لديها القدرة على انهاء المهمة دون أي تدخل بشري، فنحن غالباً لا نعلم بالتحديد ما الحيثيات التي تقف وراء اتخاذ القرار في كافة التقنيات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي قد يتسبب بعواقب غير مقصودة تتجاوز توقعات وتصورات واضعي الخوارزميات.

دعنا نطرح لك مثال آخر حول ما حدث في عام 2010م من "انهيار حاد Flash Crash" لمؤشر "داو جونز الصناعي Dow Jones Industrial Average" المعروف اختصاراً بالداو أو  (DJIA) والذي يعتبر أحد أقدم المؤشرات المالية التي أُنشأت لقياس أداء سوق الأسهم في الولايات المتحدة والعالم. فلقد تسببت خوارزميات التداول المستخدمة في خلق أكبر انهيار لمؤشر "DJIA" منذ بداية عمله، حيث خسر المؤشر نسبة 9% من قيمته خلال دقائق معدودة، ولكنه سيطر على ما حدث واسترجع ما خسره في نهاية اليوم. استمر التحقيق حول هذا الحادث 5 أشهر، فكانت نتائج التحقيق مقتصرة فقط على الأسباب التي أدت لاندلاع هذه المشكلة، كما اقترحت وجهات نظر وآراء أخرى حول أسباب حدوثها.

وللتأكيد، فإن الخوارزميات التي أحدثت المشكلات الأولية لم تكن وحدها المسؤولة عن هذا الخطأ، حيث لم يتواجد أي خلل خفي في برمجتها، ولكن السبب الجوهري للمشكلة يعود لتداخل عمل الملايين من الخوارزميات وتنافسها في اتخاذ القرار السليم بطرق غير متوقعة، الأمر الذي توجب على كل خوارزمية أن تعمل وفق تصميمها المنطقي وعلى إثر ذلك حدثت "الدوامة الهبوطية في السوق downward spiral for the market".

تكمن الظروف الغامضة التي أحاطت بظهور مشكلة من هذا النوع، في أن الأشخاص المسؤولين عن أنظمة التداول على مدار الأعوام قد رأوا بأن القرارات الصادرة عن البشر تشكل عائقاً وعقبة أمام تحقيق كفاءة السوق. وبالرجوع لعام 1987م، عندما حدث انخفاض في سوق الأسهم الأمريكي بنسبة 22.61%، أدى ذلك بكل بساطة لتوقف بعض وسطاء أسهم "وول ستريت Wall Street" عن استخدام هواتفهم لتجنب تلقي طلبات عملائهم حول بيع الأسهم. "فما حدث آنذاك كان مجرد البداية التي أدت إلى استبدال الأشخاص بأجهزة الحاسوب لتقوم بمهامهم"، ذلك حسبما وصفها المؤلف "مايكل لويس Michael Lewis" في كتابه "فلاش بويز Flash Boys".

ويجب الإشارة إلى تلك الملايين التي استثمرها عالم المال والأسواق من أجل مضاعفة سرعة الكابلات والاتصالات العاملة بموجات الميكروويف كي يتمكن الأشخاص من انجاز جزء ولو بسيط جداً من معدل المهام الذي تنجزه الخوارزميات في إرسال التعليمات والأوامر للمواقف المختلفة. ففي الوقت الذي تعتبر فيه سرعة إنجاز المهام والعمليات أمر هام وضروري، فإن حاجة الإنسان العادي لوقت 215 ميلي ثانية حتى يضغط زر واحد ما هو إلى مضيعة للوقت. إن هدفنا الحالي يتمثل بإعادة برمجة الخوارزميات عند حدوث أي حالة فشل في اتخاذ القرار التقني السليم.

نظراً لوجود المزيد من القيود والحواجز الجديدة التي تفرض نفسها بين الإنسان والتكنولوجيا، أصبح من الضروري أن نأخذ الأمر على محمل من الجدية والتفكير بالمصير الذي ينتظرنا إذا استمر بنا الحال بالإفراط في الاعتماد على البرامج في إنجاز المهام والأعمال لكافة مجالات الحياة. فنحن من سمحنا للتكنولوجيا أن تفرض هيمنتها وسيطرتها على حياتنا، ذلك من خلال استبدال قرارات العقول البشرية بالقرارات التي تتخذها الخوارزميات، الامر الذي جعل البشر مجرد أدوات تتحكم بهم التكنولوجيا كيفما تشاء وبناء على عواقبها الغير مقصودة. وفي ظل كل سبق، إن كان بمقدورنا أن نقرر، وجب علينا أن يكون لنا موقف وأن نفهم ونعي جيداً ماذا تعني هيمنة التكنولوجيا لنا كأفراد وكمجتمع قائم بأسره.

نشر هذا المقال في تاريخ
18/12/2019
تحت تصنيف
التكنولوجيا

المصادر:

1. المرجع الأول
2. المرجع الثاني
3. المرجع الثالث
4. المرجع الرابع
5. المرجع الخامس
6. المرجع السادس

التكنولوجيا

المزيد »