هل تدرك عزيزي القارئ الوقت التي تستغرقه لإتمام أمرٍ ما؟ هل تعي بكل أحاسيسك ومشاعرك التي تشعر بها في لحظةٍ بعينها؟ هل تنصت لكل ما يقوله الآخرون أثناء حديثهم معك، أم أن ذهنك يبقى مشغولا في التخطيط لأمرٍ ستقوم به لاحقا؟

تعد رحلتنا في هذه الحياة أشبه بركوب قطارٍ سريع، نمر فيه بمحطات مختلفة وهذه المحطات هي من تشكل وتصيغ حياتنا. وبغض النظر عن مدى سرعة القطار أو مدة مكوثنا في كل محطة، الأهم هو ما نفعله أثناء هذه الرحلة.

إننا نعيش في هذه الحياة وفق ساعةٍ رملية، نسعى لإدراكها قبل أن تدركنا. غالبا ما ينتهي وقتنا دون تحقيق كل ما سعينا لتحقيقه. وفي ظل هذا السباق الذي نخوضه مع الزمن، ننسى أن نحيا هذه الحياة وننسى أن نُحييها. وفي حين تنافس العلماء منذ القدم على اكتشاف الزمن، إلا أنه أصبح معضلة أمام البشرية. فقد شكل تحديا لإنسان اليوم الذي يسعى لتحقيق جميع رغباته في أقصرِ وقتٍ ممكن.

دعنا نقف هنا عزيزي القارئ لنحاول معاً رسم خارطة عملية تساعدنا وتمكنا من تجاوز تحديات وضغوط عصر السرعة. وذلك من خلال إدراك أن ما نعيشه في هذه الحياة هو رحلة هدفها الرئيسي الحياة وأحد مضامينها العيش، والسعي لتحقيق التوازن في ظل عصر الجنون، ومحاولة إدارة التوقعات التي يفرضها علينا واقعنا اليوم.

العمر مجرد رقم. لطالما سمعنا هذه العبارة وحاولنا مراراَ إدراك مضمون هذه الرسالة، إلا أننا عجزنا أمام الأخذ بها وتطبيقها.

إن عصر السرعة الجنونية في كل شيء والذي نعيشه اليوم أجبرنا على الشعور بأن الحاضر مجرد وهم، وأن حياتنا تكمن في الغد. حتى أننا أصبحنا نمضي جل يومنا في التخطيط للمستقبل. هذا في أحسن الأحوال طبعا، فقد نجد البعض منا على خط الزمن مازال عالقا على أعتاب الماضي، يضيع بذلك فرصة عيش الحاضر أو حتى محاولة بناء المستقبل.

ينادي العديد من رواد مدارس الوعي والتنمية البشرية اليوم بالعودة للحظة، العودة لهنا والآن. إن اللحظة في أبسط صورها هي إدراك ما يجري داخلك وحولك. أن تعي وتدرك تماما مشاعرك، أحاسيسك وأفكارك. أن تستغرق تماما في ما هو كائنٌ أمامك، كما أنا مستغرقةٌ الآن بين أسطر هذا المقال، لا يشغل عقلي سوى قدرتي على إيصال رسالتي لك.

إن عيش اللحظة هو ما يصل بنا إلى التأمل في مفهومه الأسمى والعميق. بل ويدفعنا للاستمتاع بكل ما نقوم به، لا أن نتسابق لإتمام أبسط المهام في سبيل تحقيق راحة زائفة نتوهم أننا سنجدها بعد تسليمها، أو بعد وصولنا سن التقاعد. اللحظة هي كل ما نملك، وهي هنا والآن.

ضمن سلسلة الأخبار المنتشرة هذه الأيام، لابد وأنك عزيزي القارئ سمعت عن التغيرات البيئية التي شهدها كوكبنا. فقد عادت الحياة البحرية إلى طبيعتها. تنفست الأرض وانخفضت معدلات التلوث، والعديد من التغيرات الإيجابية التي شهدها العالم بعد جائحة كورونا.

تأمل العديد منا هذا المشهد، وأرجعه البعض إلى الحجر الذي منع الإنسان من الاستمرار في ممارسة سلوكيات غير فعالة تجاه البيئة. فتوقفت المصانع عن بث أدخنتها، وتوقف الأشخاص عن رمي مخلفاتهم، بل وصل الاهتمام بالنظافة حد الهوس، يمارسه الجميع حفاظا على صحتهم ومنعهم من التعرض للإصابة بفيروس كورونا المستجد.

إذاً العودة للطبيعة بعيدا عن الممارسات التي خلفتها الثورة الصناعية والتطور التكنولوجي، هو سبيلنا لعيش حياة أكثر صحية. نعلم جميعا أن الابتعاد عن نمط الحياة العصرية بالكامل ليس حلا، ولكن إدارة هذه الحياة وعدم الاستسلام والرضوخ لسلبياتها هو ما يجعلنا قادرين على مواجهة أي جائحة قد تلم بنا، بل تجنب حدوثها مبكرا. ليس المقصد هنا الابتعاد عن مصادر إشعاعات الصناعات الحديثة أو الأجهزة التكنولوجية، بل وحتى السعي للتقدم المهني أو الوظيفي سعيا وراء منصب ما والاستفادة من ميزاته يعد سلوكا غير فعال. فالسعي وراء تحقيق الحياة المهنية على حساب حياتنا الاجتماعية يفقدنا لذة العيش ويضع على كاهلنا ما يثقله. الاهتمام بإرضاء الآخرين غايةٌ لا تدرك. كل هذا وأكثر يعد سلوكيات غير فعالة.

وعليه، يكون الشاهد هنا: هو خلق أسلوب حياة صحي. أسلوب حياة يجمع ما بينا الحياة العصرية المهنية والتي تقوم بشكل كبير على التكنولوجيا والصناعة وبين أسلوب حياة فطري يقوم على التواصل مع الطبيعة، الغذاء المناسب، التواصل الاجتماعي مع الآخرين القائم على التعاطف والمحبة.

قد تتسائل عزيزي القارئ، هل التحرر من متطلبات الحياة العصرية ومن مجارات سرعة أحداثها بالعزلة والعودة للحياة البدائية يعتبر حلا لإدارة الحياة بفعالية؟ سأجيبك لا، ولكن إدارة توقعاتنا عن أنفسنا والآخرين هو حل أكثر فعالية.

يصعب علينا أن نعيش دون توقعِ أمرا ما سواء من أنفسنا أو الآخرين، هذا ما يجعلنا نشعر بضغط دائم كأنما حبلٌ يُلف حول أعناقنا. نعتقد ويعتقد الآخرون أن ما نبذله من جهد سيحقق نتيجةً ما، سواء على الصعيد الشخصي، في علاقتنا الاجتماعية، وعلى المستوى المهني كذلك. مع مرور الوقت نصبح أكثر تعلقا بتوقعاتنا وسعيا لتحقيقها، حتى أننا نغفل الدافع الذي يدفعنا لبذل كل هذه الجهود.

التركيز على الدافع والتصرف وفقا له هو ما يساعدنا على ضبط وتوجيه توقعاتنا في إطار الممكن والمعقول. وهو ما يدفعنا كذلك للشعور بالاستمتاع في كل ما نقوم به، لأننا حينها سنتصرف وفقا لدوافعنا الذاتية وشغفنا وليس وفقا لما تمليه علينا توقعاتنا.

نحن البشر وانسانيتنا هي أغلى ما نملك، هكذا خلقنا الله وميزنا. لا تدع ما حولك من برمجياتٍ واختراعات يذهلك ويأخذك بعيدا عن عالم النفس والروح إلى عالم مادي قائم على لوغارتميات رياضية لا تغذي عقلك فقط بل قد تشوه فطرتك السليمة. استمتع، كن هنا والآن، عش وفقا لانفعالاتك مع ما حولك لا توقعاتك عنها. وتذكر أن ما أنت عليه اليوم هو ما ستصبحه غدا!

نشر هذا المقال في تاريخ
14/6/2020
تحت تصنيف
الإنتاجية

المصادر:

1. المرجع الأول
2. المرجع الثاني
3. المرجع الثالث
4. المرجع الرابع
5. المرجع الخامس
6. المرجع السادس

الإنتاجية

المزيد »