أقف على مساحةٍ شاسعة من حطام إعصار. إذ فجأةً تحط على كتفي فراشة – أفادني محرك البحث قوقل لاحقا أنها فراشة السيدة الملونة –. يصل طول أجنحتها إلى 65 ملم تقريبا. لونها ذهبي يميل إلى البرتقالي، منقطة بالأبيض، منقوشة بخطوط طولية سوداء. سريعة الطيران، لذا يصعب اصطيادها غالبا. ثم دار بيننا الحديث التالي:

  • يقولون إنك من سبب ذلك، أسألها بتعحب؟
  • لست وحدي، بخفة تجيب.
  • ماذا تقصدين؟ هل حقا كان لك دورا في إحداث ذلك كله؟!

تحلق، أرفع بصري تجاهها نحو السماء. أناديها بصوتٍ عالي علها تجيب. ما زال لدي العديد من الأسئلة التي أطرحها عليك. كيف لك أن تختفي فجأة، وتتركيني وسط هذا الراكم، أقول!

إن الأسطر السابقة عزيزي القارئ ليست اقتباسا من أسطورة أو حكاية ما. بل هي حديثٌ دار في خيالي، بيني وبين فراشة لها القدرة على إحداث إعصار برفرفة جناحيها. كيف ذلك قد تتسأل. امنحني بعضا من وقتك لأوضح لك الأمر أكثر.

بعد حديثي مع "السيدة الملونة" بدأت برحلة بحثٍ عليّ أجد تفسيرا لهذا الموقف. عرفت من خلال بحثي أن العالم إدوارد لورنتز ابتكر نظرية تسمى "تأثير الفراشة". تنص هذه النظرية على أن "رفرفة جناح الفراشة في مكانٍ ما قد تُسبب إعصارًا في مكان آخر"، في محاولة منه لتفسير تأثير الأحداث الصغيرة.

أعلم أن الكثير منا قد يجد في علوم الرياضيات والفيزياء والعلوم الطبيعية الأخرى تعقيدا شديدا. حقيقةً لم يكن لكل هذه العلوم أن تتبلور دون تأمل ومراقبة للطبيعة من حولنا. فالطبيعة هي منشأ كل هذه العلوم، وما القوانين التي جهدنا في حفظها واستذكارها إلا واقعا يتجلى حولنا وإن غفلنا عن فهمه.

أعدك عزيزي القارىء بأن الموضوع سيبدو أكثر ألفةً متى قاربناه إلى واقعنا، وأعتقد أن ذلك ما كانت تحاول أن تخبرني به "السيدة الملونة" حين قالت "لست وحدي".

لنحاول معا تطبيق ذلك على حياتنا وقراراتنا اليومية. قد يبدو قرار شراء هاتف محمول جديد بسيطا جدا. في الحقيقة، إنه ليس كذلك. فعملية اختيار الهاتف المناسب أشد تعقيدا مما تبدو. يجب مراعاة ليس فقط مميزات الجهاز أو علامته التجارية، بل أيضاً مدى حاجتنا إليه في الوقت الحالي، البدائل المتوفرة، خطتنا المالية وميزانيتنا الشهرية والسنوية...، وإلا سينتهي بنا الحال بأن يبلغ صرفنا أضعاف مدخولنا. وبهكذا تنتهي رحلتنا في عالم الاستثمار قبل أن تبدأ.

كما قد يبدو السهر لبعد منتصف الليل أمراً مسليا، خاصةً إذا ما كنا نشاهد مسلسلا على نتفلكس -أحدث ضجةً على مواقع التواصل الاجتماعي-. في حين نغفل أن الاستيقاظ المبكر من عادات الناجحين. كما أن السهر مضر بالصحة الجسدية والنفسية للشخص. ناهيك عن أن الأشخاص الذين يمضون ليلهم في السهر بدلا من النوم أكثر عرضة للتشتت الذهني وضعف التركيز بالإضافة إلى القلق والتوتر العصبي.

لنأخذ مثالا آخر. ننفجر غضبا في بعض الأحيان على أخوتنا، زملائنا في العمل، أصدقاءنا أو حتى عابر سبيل في مواقف بسيطة لا تستدعي ذلك. قد يبدو الأمر عفويا وغير مقصود، لكن حقيقةً ما هذا الانفعال إلى نتيجة مشاعرٍ متراكمة شكلت بركانا من غضب تفجر عند لحظة ما. إن عدم وعينا وإدراكنا لمشاعرنا، وإدارتها قد يؤدي إلى تفاقمها ككرة ثلج. حينها لن يكون لنا القدرة على السيطرة عليها أو حتى فهمها.

الأمر بهذه البساطة. يكمن تفسير النظرية واقعيا على النحو التالي: أن قراراتنا اليومية، عاداتنا البسيطة وسلوكياتنا من شأنها التأثير سلبا على حياتنا المستقبلية، إذا ما تم فهمها ودراستها بعناية. فسلسلة من التصرفات البسيطة قد تؤدي إلى مجموعة من الأحداث الكبيرة المؤثرة لن نملك السيطرة عليها. وعيك عزيزي القارئ بمدى أهمية الأحداث والعادات الصغيرة وقدرتها على خلق تأثيرات كبيرة كافٍ جدا لمساعدتك في فهم ما يجري حولك وإدارته بفعالية.

حطت على كتفي الفراشة مرةً أخرى. همست في أذني وقالت "الآن أصبحت المسؤولة" ثم انطلقت لترفرف بجناحيها.

نشر هذا المقال في تاريخ
7/9/2020
تحت تصنيف
الإلهام

المصادر:

1. المرجع الأول
2. المرجع الثاني
3. المرجع الثالث
4. المرجع الرابع
5. المرجع الخامس
6. المرجع السادس

الإلهام

المزيد »