الجانب الأخر لكورونا

«في كل محنة، تولد منحة»

لا اعلم بالضبط قائل هذه المقولة التي يتم تداولها على نطاق واسع وان اختلفت كلماتها بعض الشيء. الا ان ما أعلمه تمام المعرفة هو صدق تلك المقولة. وقد علمنا التاريخ ان ما يصنع القفزات التاريخية والعلمية والتكنولوجية هي الصراعات والحروب وحتى فترات الكساد الاقتصادي بما تحمله من مصاعب ومتاعب وليس فترات الرخاء والاستقرار. وقد أخبرنا عز وجل بذلك في كتابه العزيز في سورة الحج:

«وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا» – الحج، آية 40.

فالبشرية استفادت الكثير والكثير من جراء تلك الحروب والمواجهات الدموية، فأغلب ما نستخدمه الآن من أدوات وأجهزة ومعدات تم اكتشافها او اختراعها في فترات الحروب والمآسي الإنسانية. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، هل فكرت يوماً في ان المعلبات المرصوصة بالآلاف على أرفف البقالات والسوبر ماركت والتي نستخدمها الآن بشكل يومي كانت نتاج حاجة نابليون لوسيلة نقل الكثير من الطعام – دون أن يفسد – إلى الخطوط الأمامية لقواته أثناء اجتياحه لأراضي أوروبا عام 1809. عندئذ أعلنت الحكومة الفرنسية جائزة مالية قدرها 12٫000 فرنك لمن يقدم الحل لتلك المعضلة. ونال هذه الجائزة نيكولاس أبيرت الذي صمم وعاء زجاجي محكم الغلق ومن الممكن إنتاجه بخط إنتاج واستخدام قيمة الجائزة لبناء المصنع. وقد احرق البريطانيون ذلك المصنع عند اجتياحهم فرنسا عام 1814. وكانت تلك هي الفكرة الرئيسية التي اعتمدت عليها صناعة المعلبات التي نراها ونستخدمها كل يوم. وفي أثناء الحرب العالمية الأولى طٌلب من شركة «كيمبرلي – كلارك» الأمريكية ارسال كميات كبيرة من أوراق السليلوز التي كانت قد ابتكرتها وسجلت براءة اختراعها قبيل الحرب كي تستخدم كضمادات لجروح المصابين في الجبهات. ولكن الممرضات في المستشفيات العسكرية أثناء الحرب بدأوا باستخدام تلك الأوراق المصنوعة من السليلوز كمناديل او فوط صحية أثناء العادة الشهرية. وبعد الحرب انتشر ذلك المنتج كمنتج خاص بالسيدات ليصبح صناعة تقدر بعشرات المليارات وباتت موجودة في كل بيت. (حجم السوق لعام 2018 يقدر تقريباً بـ 20.5 مليار دولار) .

أيضاً من منا لم يستخدم الشريط اللاصق او شريط التغليف الذي كان نتيجة ابتكار سيدة تدعى «فيستا ستوت» التي أقلقها طريقة غلق علب الذخائر أثناء الحرب العالمية الثانية فحاولت إيجاد طريقة اخرى لإغلاق تلك العلب كي تكون أكثر أماناً فحاولت العديد من الطرق والمواد حتى ابتكرت الشريط البلاستيكي. بعدها أرسلت السيدة فيستا رسالة الى شركة «جونسون & جونسون» لتشرح لهم اختراعها ليبدأوا بعدها إنتاج الشريط البلاستيكي اللاصق بشكل تجاري بخطوط انتاجهم ليبدأ تغليف علب الذخائر المعدنية به. ومن منا لم يستخدم الصور الرقمية التي لم تكن إلا نتاج سباق محموم أثناء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي للإسراع في الحصول على صور التجسس بدقة عالية دون الانتظار لحين تحميضها. وأخيراً وليس أخراً، فأغلب الظن أنك عزيزي القارئ تقرأ مقالي هذا عن طريق الأنترنت التي لم تكن إلا وسيلة ابتكرها كلاً من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا «MIT» وناسا «NASA» ووزارة الدفاع الأمريكية «DoD» في محاولة لإيجاد حل أثناء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لسيناريو تدمير مراكز المعلومات والاتصالات الأمريكية. وفي عام 1962 ابتكر «جي. سي. ار ليكليدر» وزملائه شبكة وكالة مشاريع البحوث المتقدمة «ARPANET» التي تعتبر النموذج الأول للأنترنت الذي نستخدمه الآن. فما بدأ كخطة طوارئ أثناء الحرب أصبح ضرورة يومية لا يمكن الاستغناء عنها يومنا هذا.  وهناك العشرات والعشرات من المنتجات والاختراعات الأخرى ليس هذا المقال مجال حصرها والتي لم تكن لترى الضوء دون وجود الحروب والصراعات والمآسي.

اختراعات أتت من جراء الحروب
اختراعات أتت من جراء الحروب

ولهذا فعندما ننظر في ما يحدثه فيروس كورونا في العالم كله الآن من هرج ومرج وإجراءات احترازية من قفل الحدود وتعطيل المدارس والجامعات وفرض حظر تجوال في أغلب مدن وبلدان العالم وما يتبع ذلك من تبعات اقتصادية كارثية على الدول والشركات والأفراد، فلابد أن نجد، إذا ما أمعنا النظر، في تلك الصورة السوداوية، بعض الجوانب الإيجابية والتي من الممكن أن تعود على البشرية بالخير جراء ما يحدث الآن.

أول تلك النتائج والأكثر وضوحاً لعين المراقب المجردة هو تعافي جو الكرة الأرضية وبحارها من التلوث الذي لم تستطع أي منظمة ولا اي قانون دولي من كبح جماحه. فمنذ عدة أشهر توقفت آلاف الطائرات عن التحليق في الجو وتوقفت ملايين السيارات عن نفث عادمها السام في الهواء الذي نتنفسه جميعاً وتوقفت مئات البواخر عن صب مخلفاتها في مياه المحيطات والأنهار. ولأول مرة يرى سكان مدينة فينيسيا الإيطالية مياه مدينتهم الجميلة بهذا الصفاء ، ولأول مرة منذ عقود طويلة يصبح الهواء الذي نتنفسه بهذا النقاء. ونتيجة لكل ما سبق من توقف وسائل النقل بأنواعها بدأت طبقة الأوزون بالتعافي مما يعتبر إنجاز هام في مكافحة الاحتباس الحراري والتغير المناخي لكوكب الأرض.

بعيداً عن البيئة وكوكب الأرض، أن انتشار فيروس كورونا بهذا الشكل السريع يٌعيِد تقسيم الدول إلى جزئين؛ الجزء الأول تلك الدول التي لديها بنية تحتية صحية قوية تمكنها من استيعاب الأعداد الكبيرة من المرضى ولديها ايضاً مراكز الأبحاث والمعامل والكوادر الفنية والأطباء القادرين على البحث العلمي لاكتشاف مصل للفيروس. والجزء الثاني تلك الدول التي لا يوجد لديها بنية تحتية صحية جيدة ولا يوجد لديها معامل او مراكز أبحاث وتلك الدول غالباً هي الدول التي اهتمت بميزانيات التسليح وأهملت ميزانيات الصحة والبحث العلمي (أغلب تلك الدول تتواجد بمنطقة الشرق الأوسط) .

صورة توضح المقارنة بين الإنفاق العالمي على الميزانيات الصحية والعسكرية
صورة توضح المقارنة بين الإنفاق العالمي على الميزانيات الصحية والعسكرية

وسيكون لزاماً على تلك الدول أعاده ترتيب أولوياتها بما يسمح لها من اجتياز هذه المحنة. ومن المؤكد أن الدول ستضاعف من إنفاقها على المجال الصحي والأبحاث العلمية. ويتوقع أن يزيد عدد المستشفيات في العديد من الدول وأن يزداد اهتمام الدول والحكومات بالقطاع الصحي سواء من عدد الأسرة لكل ألف نسمة وعدد غرف العناية المركزة او عدد التجهيزات من الآلات التنفس وغيرها من الأجهزة الطبية. كما يتوقع طفرة غير مسبوقة في ميزانيات مراكز الأبحاث والمعامل مما سوف يؤهلهم حتما من العمل بشكل أكثر كفاءة وأكثر نفعاً للبشرية جمعاء.

وعلى الصعيد التكنولوجي يتحول العالم الآن بسبب القيود التي يفرضها عليه فيروس كورونا وبخطى حثيثة ليصبح عالم رقمي بشكل لم يسبق له مثيل. تقريباً جميع الشركات حول العالم مثل جوجل وناسا ومايكروسوفت والآلاف مثلهم، شركات عملاقة واخرى ناشئة، اجبرت موظفيها بإنجاز اعمالهم من منازلهم بواسطة الإنترنت سواء كانت اجتماعات او أعمال مكتبية أو العمل على مشاريع او حتى إجراء مقابلات تلفزيونية من قبل المذيعين أنفسهم. ولم يستثنى هذا التحول الرقمي قطاع التعليم سواء المدرسي بجميع صفوفه او الجامعي بجميع تخصصاته. فالفصول الدراسية تحولت إلى الإنترنت وإجراء الامتحانات أصبح يتم الكترونياً والنقاش بين الأستاذ والطالب أو الطالب وزميله يتم بمقابلات على الشاشة ورسائل الكترونية. وهذا التحول الرقمي المفاجئ سيتبعه بلا شك توسعات في البنية التحتية والطاقة الاستيعابية لشبكة الإنترنت مع اعتماد التكنولوجيات الحديثة إلى زيادة جودة وسرعة وقدرة الإنترنت على تحمل استهلاك ضخم لتناسب الشبكة الجديدة الاحتياجات الجديدة في العالم الرقمي الحديث.

أما التجارة الالكترونية فقد تضاعفت مما جعل أكبر متجر تجزئة في العالم: أمازون، يعلن عن تعيين مائة ألف عامل في أمريكا لمواجهة الزيادة الكبيرة في طلبات الشراء المستلمة في المتجر .

ناهيك عن تحول جميع المعاملات البنكية الى المعاملات الإلكترونية من استلام مبالغ وتحويلها وصرف رواتب وشراء وبيع.  كل ذلك لم يكن ليحدث بهذه السرعة لو لم يكن هناك دافع ملح، وشاءت الأقدار أن يكون هذا الدافع هو فيروس كورونا الذي حد كثيراً المقابلات وجهاً لوجه منعاً لانتشار العدوى.

بالإضافة الى كل ما سبق فقد أدى انتشار فيروس كورونا في أنحاء العالم الى زيادة الوعي الصحي والاهتمام بالنظافة الشخصية لدى المليارات من الناس ابتداء من غسل الأيدي والتعقيم والاهتمام بنظافة مشترياتهم من خضار وفواكه والمأكولات الأخرى إلى الحفاظ على نظافة المنازل وتعقيمها. لم يقف الوعي عند هذا الحد ولكن امتد ليطال الحكومات، فقد شاهدنا جميعاً كيف تقوم الحكومات برش وتعقيم شوارع مدنها وقطاراتها وباصاتها منعاً لانتشار فيروس كورونا. لم يكن يحدث هذا بدون فيروس كورونا ولو أنفقت منظمة الصحة العالمية مثل ميزانيتها وأكثر.

أن تعافي كوكبنا والاهتمام بالصحة والأبحاث العلمية والتحول الرقمي الواسع والوعي الصحي لمليارات البشر كلها من الجوانب الايجابية لفيروس كورونا. هناك بلا شك ضحايا، الآلاف منهم، وكلنا يشعر بالحزن والأسى لفقدانهم. ولكن كما ذكرنا سابقاً «في كل محنة، توجد منحة» وواجبنا جميعاً أن نبحث عن تلك المنح ونضاعفها لتتقدم البشرية خطوة إلى الأمام وتتغلب على اختبار او محنة فيروس كورونا كما انتصرت في السابق على وباء الكوليرا والأنفلونزا الإسبانية والطاعون والحروب العالمية.

نشر هذا المقال في تاريخ
26/4/2020
تحت تصنيف
منوعات

المصادر:

1. المرجع الأول
2. المرجع الثاني
3. المرجع الثالث
4. المرجع الرابع
5. المرجع الخامس
6. المرجع السادس

منوعات

المزيد »