يعد الانحياز المعرفي أحد أهم الأسباب وراء فشل العديد من المشاريع التجارية والشركات. حيث يؤدي الانحياز إلى اتخاذ قراراتٍ خاطئة، نظرًا لأنه القرار لم يكن مبينًا على أسس موضوعية ومنهجية. يُخطئ معظم صانعي القرار في اتخاذ بعض القرارات، وفي تفسير المواقف وتقديرها وقراءة سلوكيات الآخرين وتصرفاتهم؛ نظرًا لأن القرارات الصادرة متأثرة بمعتقدات وأفكار وتوجهات وميول الشخص (صانع القرار) وبيئته المحيطة.

على سبيل المثال، لو أراد ريادي أعمال انتاج منتجٍ في السوق، بناءً على اعتقاده أن الطلب السوقي متزايد، واستند على معلوماتٍ استنبطها من مصادرٍ محددة "انتقائيا"، واتخذ قرارًا بجدوى المنتج اقتصاديًا وأنه سيحقق أرباحًا هائلة. وبدأ بعلميات الإنتاج وطرح المنتج في الأسواق. ثم فُوجئ بتكبد خسائر فادحة؛ لعدم توسع السوق أو أن عدد العملاء كان أقل بكثير من المتوقع.

إن هذا المثال هو أحد الأمثلة على خطورة الانحياز المعرفي، خاصةً الانحياز الذاتي (التأكيدي) في نجاح المشاريع وفشلها.

هل فكرت يومًا لماذا اتخذت قرارًا ما؟ هل جميع قراراتك وأحكامك التي أطلقتها كانت صحيحة ومتوازنة؟

الانحياز المعرفي

في عام 1970م، قدم العلماء دانييل كانيمان وبول سلوفيك وعاموس تفيرسكي تعريفًا لمفهوم الانحياز المعرفي، واستمرت دراسة مفهوم الانحياز المعرفي لسنواتٍ، إلى أن توصلوا لنتائج في عام 1982م، جمعوها في كتاب "الحكم تحت الشك".

حيث يُعرف الانحياز المعرفي بأنه: الميل لاتخاذ قرارٍ ما أو موقفُا محددًا بطريقة غير منطقية (لاعقلانية). على سبيل المثال، الاعتماد على بعض البيانات والمعلومات والاحصائيات وانتقاءها دونًا عن غيرها أو أن تُجبر على اتخاذ القرار بسبب مكانة زملائك في العمل.

تعريفًا آخر لـ الانحياز المعرفي بأنه: خطأ نظاميًا ومنهجيًا في طريقة التفكير تؤثر على عملية اتخاذ القرار وإصدار الأحكام. حيث أن هذا الانحياز مرتبط بذاكرة الانسان ومعتقداته والطريقة التي يتذكر فيها الأحداث. ويخالف الانحياز المعرفي المنطق السليم والفطرة السوية، وقد يؤدي لضياع فرص واتخاذ قراراتٍ كارثية.

يضم الانحياز المعرفي أنواعًا مختلفة، فيما يلي ذكرٌ لأهم أنواع الانحياز المعرفي التي لها تأثير كبير على عملية اتخاذ القرار.

أنواع الانحياز المعرفي الشائعة:

الانحياز التأكيدي

يعد الانحياز التأكيدي أحد أهم أنواع الانحياز المعرفي، بُعرف كذلك بالانحياز الذاتي. ويشير إلى ميل الشخص للبحث عن المعلومات والبيانات التي تؤكد وجهة نظره ومعتقداته وقناعاته، بغض النظر عن مدى صحتها. فيتحيز الشخص لأفكاره التي يستحضرها من الذاكرة بشكل انتقائي ويتغافل عن جميع البيانات والمعلومات التي تعارض وجهة نظره أو تضعفها.

الارتساء (وهم التركيز)

يعرف الارتساء بأنه ميل الشخص المباشر لاتخاذ القرار بناء على وجهة نظر مرجعية، وغالبًا ما تكون بناء على معلومات بسيطة وغير واضحة. حيث يهمل الشخص الجوانب الأخرى ويصبح منحازًا لها ومعتمدًا على انطباعه الأولي عند اتخاذ القرار.

تأثير الثقة المبالغة

هو انحياز الشخص وثقته المفرطة تجاه نفسه وقراراته، بحيث يكون مؤمنًا بشكل مبالغ فيه من معلوماته وأحكامه وتفسيره للمواقف. بينت دراسات سابقة، أن معظم ريادي الأعمال الذين لديهم انحيازًا لأنفسهم (الثقة المفرطة) فشلت معظم مشاريعهم وشركاتهم الناشئة.

مغالطة المقامر

وتعرف كذلك بمغالطة مونت كارلو أو مغالطة نضج الفرص، وتقوم على مبدأ أن الأحداث الماضية لها تأثير كبير على المستقبل. بمعنى لو أن حدثًا ما استمر لفترة من الزمن على نفس المنوال، فإن احتمالية ظهور نتيجة عكسية (مختلفة) في المحاولات القادمة أمرًا محتملًا بشكل كبير.

على سبيل المثال رمي قطع معدنية، إذا قمت برمي عملة معدنية سبع مراتٍ متتالية وظهرت في جميع المحاولات صورة، فإن احتمالية ظهور كتابة في المرة الثامنة يصبح أكبر.

في الحقيقة لا يوجد ارتباط بين الأحداث الماضية ونجاح الفرص التالية، فنسبة ظهور صورة أو كتابة في علم الإحصاء هي 50% لكل منهما.

خطأ العزو الأساسي

يعرف أيضًا باسم خطأ الإحالة الأساسي أو خطأ الانساب الأساسي أو تأثير الاسناد. حيث يميل الأشخاص إلى تقييم سلوك الآخرين بناء على عوامل داخلية موجودة فيهم (مثل سماتهم وصفاتهم وطبيعتهم) واهمال العوامل الخارجية (الظرفية، الموقفية).

على سبيل المثال، لو كنت تسير في شارعٍ عام وداهمتك سيارة مسرعة، فإن أول ما انطباع تأخذه عن الشخص أنه متهور، بدلًا من التفكير أن رطوبة الشارع أو سوء الأحوال الجوية أدت ذلك.

تحيز الفاعل – المراقب

يعد تحيز الفاعل-المراقب هو التحيز المقابل لخطأ العزو الأساسي؛ حيث يقوم الشخص بتفسير سلوكه لعوامل خارجية (ظرفية) متعلقة بالموقف بدلًا من نسبها لشخصه أو اعتبار نفسه سببًا في حصول الموقف.

على سبيل المثال، إذا وقع حادث سير بسبب سائق أخطأ في القيادة، فإنه سيلقي اللوم على الفرامل أو رطوبة الطريق بدلًا من التفكير بتأثير ردة فعله المتأخرة.

الملخص:

تنتج التحيزات المعرفية من العقل اللاوعي، ويصعب علينا كأشخاص مراقبتها ومعرفتها، لذلك من الغير المنطقي اتخاذ القرارات بناء على وجهات نظرنا ومعتقداتنا وآرائنا الشخصية فحسب.

الانحياز المعرفي هو الميل لاتخاذ القرارات بطريقة غير منطقية وبدون اثباتات علمية واحصائيات وبيانات مُؤكدة. للتغلب على ذلك، حاول دائمًا أن تكون جميع قراراتك موضوعية وبناء على مدلولات منطقية، قبل اتخاذ أي قرار أعطِ لنفسك وقتًا لدراسة القرار وفهمه وتوقع ما يترتب عليه.

استخدم الأدوات المنهجية والموضوعية عند تحليل البيانات وتقييمها، وأحط نفسك بأشخاصٍ يمتلكون وجهات نظر مختلفة، واستمع دائمًا لآرائهم دون انقطاع. جميع ذلك سيساعدك على اتخاذ قراراتٍ شاملة وموضوعية ومدروسة.

نشر هذا المقال في تاريخ
15/6/2020
تحت تصنيف
التخطيط

المصادر:

1. المرجع الأول
2. المرجع الثاني
3. المرجع الثالث
4. المرجع الرابع
5. المرجع الخامس
6. المرجع السادس

التخطيط

المزيد »