الذكاء وأهم العوامل التي تؤثر عليه

كتعريف عام للذكاء، يمكننا القول أًن الذكاء هو القدرة الكامنة لدى العقل البشري التي يستطيع من خلالها إدراك وفهم وتحليل جميع المواقف والأحداث من حوله. وتلك القدرة تتأثر بعوامل عديدة، منها داخلية كالعوامل الوراثية مثلاً، وعوامل أخرى خارجية كالوسط المحيط والبيئة الاجتماعية والتعليمية.

حسب العوامل الخارجية، ينقسم الذكاء إلى نوعين: ذكاء تعليمي وذكاء تجريبي. الذكاء التعليمي هو الذي يكتسبه الفرد عن طريق الدراسة والتعلم، أو بطرق مشابهة تمكنه من فهم الحقائق والأفكار من خلال النظريات الموضوعة مسبقاً. بينما الذكاء التجريبي يعتمد على التجارب والمعرفة حول العديد من الأشياء والموضوعات إضافة إلى المهارات التي قد يكتسبها الفرد من العالم المحيط به.

على الرغم من أن مقارنة أيّهما الأفضل قد تكون أمراً قابلاً للنقاش للبعض، وقد تكون أيضاً أمراً بديهياً مسلّماً به بالنسبة للبعض الآخر، إلّا أن الذكاء التجريبي له ثقله وتأثيره الكبيرين عند النظر إلى العديد من النجاحات وتحليل أسبابها.

ما هو الطريق الأكثر فعاليّة وإثراءً لاكتساب الذكاء؟ أهو من خلال التعلم أم من خلال التجربة؟ - أثار هذا الموضوع الجدل لوقت طويل، فمن الصعب ترجيح أحدهما على الآخر فكلاهما -وبشكلٍ متوازن – يشكلان محوراً أساسياً لعيش حياةٍ ناجحة ومثمرة في عصرنا الحالي سريع الخُطى.

تعد الحياة الاجتماعية في تجاربها وأنشطتها بشكلٍ عام المفصل الأساسي في الذكاء التجريبي، وهي تساعد الإنسان في اكتساب المهارات الجديدة والقدرة على تحمل المسؤولية. فعلى سبيل المثال، جميعنا نعلم أن معظم الطلاب عند انتقالهم من مرحلة الثانوية إلى المرحلة الجامعية تتغير الكثير من الأشياء في نمط حياتهم وقد ينتقلون بعيداً عن مدنهم وعائلاتهم والمحيط الذي اعتادوا العيش فيه وسيتوجب عليهم الإمساك بزمام الأمور بمفردهم. عليهم التعامل مع الكثير من الأمور التي لم يضطروا إلى التعامل معها قبل الدخول إلى الجامعة. لذا فمن المهم جداً بالنسبة لهم معرفة كيفية معالجة وحل المشكلات المختلفة التي قد تواجههم في الفصول الدراسية أو في السكن أو حتى مع أصدقائهم الجدد. عليهم معرفة كيفية التعامل بذكاء مع ظروف الحياة القاسية وبالتالي فإن الذكاء التجريبي المكتسب مهمٌ جداً في حياة الطالب الجامعي. نحن نعيش في عالمٍ كل من فيه في حالة سباقٍ دائم ومنافسة شرسة للفوز والتفوق على الآخرين، لذا جميعنا نحتاج إلى ما هو أكثر من المعرفة الدراسية النظرية للتقدم على الجميع في هذا السباق.

الذكاء التعليمي أمرٌ يزُرع في عقولنا منذ طفولتنا

هذه حقيقة جميعنا يدركها، فمجتمعاتنا عودتنا أن أهمية حصولنا على نتائج جيدة في الحياة الأكاديمية شيء مفصلي ولا جدال فيه، لدرجة أن قد يتحول أحياناً إلى فوبيا تكبر معنا. فأن تكون من الأوائل أكاديمياً أمرٌ حتمي بالنسبة لك كطالب جامعي وهو الشيء المنتظر منك، وليس من قبل والديك فحسب، بل من قبل جميع أفراد العائلة وحتى المجتمع بشكل عام، جميعهم مهتمون بأدائك في الامتحانات، فطالما أنك تحصل على علامات جيدة فإنك سترضي بذلك الجميع. وفي حال كنت موهوباً وتمتلك مهاراتً في الرياضة على سبيل المثال أكثر مما تمتلكه في مجال الدراسة، فقد تضطر إلى أن ترضخ لرغبة والديك والتركيز على تحصيل علامات جيدة في دراستك بغض النظر عما تجيدهُ من مهارات أخرى أو ما تميل له.

لكن إذا قمنا بالتفكير بالأمر من منظورٍ أوسع فمن المؤكد أن امتلاك ذكاءٍ تعليمي أمرٌ ضروريٌ للكثير من المجالات الوظيفية لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد فالعديد من المجالات الوظيفية الأخرى تعتمد على الخبرات والمهارات التي تقوم بتحصيلها من الذكاء التجريبي والتي غالباً ما تكون في متناول يديك أكثر من تلك التي قد تتعلمها في الكتب المدرسية. فبعضها تستطيع اكتسابه فقط من خلال تفاعلك وتجاربك مع العالم الذي من حولك.

إليك فيما يلي بعض الأسباب التي تجعل من التعلم وتنمية المهارات بالاعتماد على الذكاء التجريبي، إلى جانب اكتساب المعرفة التعليمية النظرية، أمراً مهماً:

سيعلمك مهارات التأقلم والنجاة التي لا يمكن تعلمها من الكتب الدراسية

الكثير منا يهتم بمشاهدة البرامج التلفزيونية التي تتعلق بالنجاة، وهي عادة ما تصوّر وتعرض لنا متسابقين أثناء خوضهم تجارب حقيقية وابتكارهم لأساليب وطرق للنجاة. لكن وبغض النظر عن تلك البرامج وعن عدد المرات التي قد يشاهد بها المشاهد المتسابق ينجو من المواقف الصعبة، لن يتعلم تلك المهارات أبداً ما لم يخوض التجربة بنفسه. فنحن نعلم من أبسط الأمور في حياتنا أن هنالك فرق كبير بين معرفة الشيء وبين تجربته؛ فتخيل كم ستكون مهنة مطوّر التطبيقات بسيطة لو كانت قراءة الكتب وحدها تكفي. إن تجربة عيش المواقف الصعبة وتخطيها مراراً وتكراراً في حياتنا الحقيقية تجعل منّا قادرين على ابتكار الحلول والمخارج من تلك المواقف التي قد تواجهنا.

لكن، مما لا شك فيه أن الكتب وسيلة رائعة ومهمة لتعلم مهارات جديدة واكتساب المعرفة، لكن ليس كل ما تتعلمه في الجامعة قابل للتطبيق في المواقف التي تواجهك في حياتك اليومية، لذا عليّك اكتساب الذكاء التجريبي، فباستخدامه يمكنك مواجهة مشاكل الحياة وفهم مجريات الأمور التي تحدث في العالم من حولك والتأقلم معها؛ فذلك وحده ما يساعدك على النجاة وتحقيق الأفضل في حياتك.

سيعلمك فنّ المجازفة ويعطيك روح المغامرة

وفقاً لبعض الأبحاث والتجارب، إن الأشخاص الذين يعتمدون في حياتهم على الذكاء التجريبي هم أكثر الأشخاص قابلية للقيام بالمجازفات في الحياة. وفي الحقيقة، إن المجازفة تكون أحياناً أمراً ضرورياً للمضي قُدماً بالحياة، لأنك إن كُنت خائفاً أو متردداً من القيام بأي شيء بسبب المخاطر التي ينطوي عليها الأمر، فلن تصل لمبتغاك أبداً ولن تكتشف إمكانياتك الحقيقة. وأحد أكثر الأمثلة واقعية ويعيشها الكثيرون منّا هي العمل في وظائف وحِرَفٍ لا نرغب بها أساساً، لدرجة أننا مستعدون بالكامل للتخلي عن وظائفنا والبحث عن عملٍ آخر نحبه والبدء من جديد كمبتدئين، بغض النظر عن المخاطر المترتبة على هذه الخطوة، وذلك أمر لا يمكن أن يقوم به شخص ما لم يكن متقناً لفنّ المجازفة.

سيعلمك كيفية التعامل مع الآخرين

من المؤكد أنك قابلت العديد من الأشخاص الذين لديهم حسن المخاطبة أو التواصل مع الآخرين، ولا سيما أولئك الأشخاص الذين يمتلكون القدرة على قراءة شخصيات مَن حولهم والتعامل معهم بأسلوبٍ يتناسب مع شخصيتهم. ولكن هذه المهارات يمكن تعلمها، فمثلاً يمكنك اتقانها وتطبيقها عند السكن في سكن جامعي، أو حتى بعد التخرج في بيئة العمل، التي تضطر فيها إلى التعامل مع أشخاص من مختلف الطبقات والمراتب.

عند بداية حياتك المهنية سوف ترى أن النجاح ليس حكراً على أكثر الأشخاص ذكاءً فقط، وإنما هو متاح أيضاً أمام من يستطيع قراءة وفهم الآخرين. تلك المهارات لا يمكن لكتابك المدرسي تقديمها لك، فعليك تعلمها من خلال تجاربك المتواصلة في التفاعل مع الأشخاص من حولك.

سيعلمك حل المشكلات بسهولة أكبر

إن الأشخاص الذين يمتلكون ذكاءً تجريبياً يتمتعون بمهارة عالية في إيجاد الحلول السريعة والإبداعية لمعظم المشاكل تقريباً مما يساعدهم في الخروج من أغلب المآزق. فعلى سبيل المثال، إن الأشخاص الذين يتمتعون بذكاءٍ تجريبي لديهم القدرة على التعامل مع العملاء أو الموظفين الغاضبين برويّة ودون التعرض للضغوطات، ومهما كان الوضع سيئاً، دائماً ما يتعاملون بهدوء ومسؤولية مما يسمح لهم بالتفكير العميق بعقل منفتح وسليم لإيجاد أفضل الحلول.

جميعنا نرغب بأن نكون أذكياء، وأغلبنا يدرك مدى أهمية الذكاء للنجاح في الحياة العملية، ولكن ما يجب أن ندركه جيداً أن الذكاء مقسوم لتجريبي ونظري، ويمكن اعتبار الذكاء النظري هو أرضية الحياة والذكاء التجريبي هو أعمدتها. وبعبارة أخرى، الذكاء التجريبي أساسي لنجاحك، وفي المقابل، لا غنى لك أبداً عن اكتساب المعرفة السليمة من الكتب التي تخصّ مجال دراستك أو عملك، لأن الموازنة بين الاثنين أمرٌ مطلوب في الحياة للحصول على ثمرة مكتملة ناضجة.

نشر هذا المقال في تاريخ
18/1/2020
تحت تصنيف
التعليم

المصادر:

1. المرجع الأول
2. المرجع الثاني
3. المرجع الثالث
4. المرجع الرابع
5. المرجع الخامس
6. المرجع السادس

التعليم

المزيد »