كيف تضع حدوداً لعلاقات العمل بعد توسعها

وجود الأصدقاء المقربين في العمل له دور كبير في جعلك أكثر سعادة وإنتاجية، ويساهم أيضاً في إبعاد فكرة الاستقالة من العمل. ولكن يمكن لهذا النمط من الصداقات أن يكون له سلبياته أيضاً. لذلك ما الذي يجب عليك فعله في حال وجدت نفسك في علاقة صداقة قد يكون لها آثار سلبية عليك أو على الطرف الآخر؟ كيف تستطيع التأكد من أن تلك العلاقة لن تؤثر على قدراتك في العمل؟ وما هو نوع الحدود النفسية التي يتوجب عليك وضعها، وكيف تتأكد من أنها لن تؤذي مشاعر زميلك؟ التعاطف هو العنصر الأهم في الذكاء العاطفي، وهو ميزة مهمة في بيئات العمل - فهو يساعد على التواصل مع الأخرين بطريقة مجدية أكثر. لكن وبرأي العديد من الخبراء، إن العواطف في بعض الأحيان قد تسيطر عليك وتجعل من صداقات العمل تستنزف طاقاتك وانتاجيتك في العمل وتصبح في بعض الحالات عبئاً ثقيلا عليك.

إليك ما يجب القيام به في حال كنت ترى أنك وزميلك قد تعمقتما في علاقتكما أكثر من اللازم:

راقب المؤشرات

إن كنت تهتم وتنشغل بصديقك في المكتب على حساب عملك، أو كان ارتباطك به يجعلك تأخذ تجاربه قدوةً لك مهملاً بذلك تجاربك وقناعاتك الخاصة فهذا يعطيك مؤشراً على أنك بحاجة إلى تغيير شيء ما. وأول ما عليك فعله، هو أن تطرح على نفسك بعض الأسئلة، مثل: هل كلانا يبذل نفس الجهد في تطوير ذاته؟ هل هذه العلاقة تجعلني أحرز التقدم الذي أريده في حياتي المهنية؟ هل بإمكاني التعبير عن الأفكار والمشاعر التي تختلف عن أصدقائي؟ هل رؤيتي للأشياء هي من منظوري الشخصي ولا تعتمد على منظور أصدقاء العمل فقط؟ ليس هنالك جواب واضح عما إذا كانت تلك الأمور جيدة أم لا، لكن إذا كانت إجابتك عن هذه الأسئلة بـ لا، فعليك التفكير بجدية في إجراء بعض التغييرات.

لا تلقي اللوم على الطرف الآخر

في حال وجدت أن علاقتك تؤثر عليك سلبياً ولا تخدمك فسيكون من الطبيعي أن تلقي اللوم على الطرف الآخر في محاولة منك لإنهاء العلاقة. لكن عليك بدلاً من ذلك التفكير بالأشياء التي دفعتك للتقرب منه في البداية. واسأل نفسك أولاً: هل هي شخصيته ما ربطك به أم بعض الأشياء المشتركة التي كانت بينكم؟ هل رغبت بصداقته لخلق نوع من التحدي في العمل؟ الإجابة عن هذه الأسئلة ستعطيك المعلومات المفيدة التي ستساعدك على إنهاء هذه العلاقة متجنباً إلقاء اللوم على نفسك أو على الطرف الآخر، وتجنبك أيضاً التعرض لمواقف مشابهة في المستقبل.

لا تقطع العلاقة كليّاً

يعتقد معظم الناس أنه من أجل تغيير ديناميكية غير صحيحة في علاقة معينة يتطلب ذلك قطعها وإنهاءها تماماً. لكن في الحقيقة قد لا يسير الأمر على النحو المطلوب. فمثلاً أنت بالطبع لا ترغب في الانتقال من كونك أفضل صديق لأحد زملائك إلى مرحلة رفضك لتناول الغداء معه فقط لأنك رأيت أن تلك العلاقة غير جيدة، فبذلك تكون قد أغلقت جميع الأبواب في وجه تصحيح العلاقة. لذا فمن الأفضل أن تبادر إلى إجراء تغييرات طفيفة على العلاقة قد تساعد في تحريكها بالاتجاه الصحيح، أو بأسوأ الأحوال قد تنتهي لكن دون أن جرح مشاعر الطرف الآخ.

قم بتغيير أسلوبك في المحادثة

في بعض الحالات النادرة تكون العلاقة سليمة بالقدر الكافي الذي يجعلك تتكلم بصراحة مع الطرف الآخر وإخباره مثلاً أنك ترغب بقضاء وقت أقل معه. لكن في معظم الحالات يجب عليك اتباع استراتيجية التحول التدريجي في أسلوبك في الحديث والتواصل مع الطرف الآخر. فمثلاً في حال كنت تقضي وقتاً طويلاً معه بإمكانك استبدال هذه اللقاءات بالمكالمات الهاتفية، أو في حال كنت تقضي الكثير من الوقت معه في مكالمات الفيديو أو الهاتف، فحاول أن تستبدل ذلك بتبادل الرسائل النصية فقط.

ما تحاول فعله هو إبقاء مسافة بينكما وتسعى للتخفيف من حميمية العلاقة، لذا فمن الأفضل أن تجعل تلك المحادثات مهما كانت قليلة تتمحور حول قضايا العمل فقط.

ارسم حدوداً لعلاقاتك

عليك التفكير بجميع القضايا والمشكلات التي يشاركها زميلك معك وحاول أن تختار واحدة منها ترغب بالاستمرار في مساعدته أو مشاركته بها، ثم بادر باقتراحك أشخاصاً يمكنهم مساعدته في باقي القضايا أو أن يذهب لرؤية مدرب خاص، على سبيل المثال.

كن قوياً ومتماسكاً

قد لا يسمح لك صديقك بالرحيل بتلك البساطة، لذا فقد يتطلب الأمر مزيداً من الوقت للوصول إلى حالة توازن بينكما. قد يصيبك التردد والندم بسبب الضغط الذي يلقيه صديقك على كاهلك، لذل فحاول ألا تتراجع عن القرارات التي اتخذتها بصدد هذا الأمر. فمثلاً عند سؤاله لك عن سبب توقفك عن تناول الغداء معه، أجبه مثلاً "إنني أرغب بالجلوس معك على الغداء، لكنك تعلم ما أواجهه في العمل حالياً، لذلك يجب أن أبقي تركيزي على العمل". وعليك أيضاً استغلال الفرص لتوجيه الشخص إلى الحديث حول موضوع ترغب بمناقشته، فيمكنك أن تقترح عليه أن تجتمعاً وتتناقشا بالموضوع في ساعة ما.

إذا جعل زميلك الأمر صعباً عليك، فذكّر نفسك دوماً أنه عدم الرضا على المدى القصير يجعلك ترسم حدوداً لعلاقتك أفضل من استنزاف طاقتك في العلاقة على المدى الطويل.

فيما يلي نستعرض حالتين تَعرّض صاحبهما لبرود عاطفي تجاه صديقين لهما في العمل والاستراتيجيات التي قاما باتباعها لحلّ هذه المشكلة:

الحالة الأولى لموظفة في شركة محاسبة كبيرة كانت في نفس الفريق مع زميل لها في الشركة. في أحد الأيام قررت الشركة الاندماج مع شركة أخرى وهو أمر ساهم في ارباك الموظفين ومضايقتهم إلى حدٍ كبير.

ومنذ أن تم اندماج الشركة، لم يتوقف زميل الموظفة عن الشكوى لها حول الأعمال الإضافية التي أوكلت إليه وكانت تتعاطف معه بشكلٍ كبير. لقد تفهمت الأمر في البداية، لكنه بعد أن شَعَرَ أنها تتعاطف معه وترحب بأي طلب دون تذمرٍ، بدأ يحدثها ويشكي لها عن مسائل شخصية لا علاقة لها بالعمل، كحالته المادية واضطراره عدة مرات لتغير مسكنه عندما كانت أخته مريضة. وبعد ذلك تطورت الحالة وازدادت النقاشات، وبدأت تأخذ طوراً جديداً يؤثر سلباً على جوّ العمل لدرجة أن الأمر خرج عن السيطرة، فالوقت الذي كان يقضيه في مناقشة حياته الشخصية طويل جداً لدرجة أنه لم يكن يكمل أعماله اليوميّة.

كانت تعلم أنه يجب عليها الانسحاب وعندما امتلكت الشجاعة للقيام بهذا الأمر تعرض زميلها لحادث سير جعله ينقطع عن العمل لعدّة أسابيع، وبعدها بدأت تفكر في مقدار المساعدة التي يحتاج لها. لقد شعرت بالقلق حيال الوقت الذي يجب عليها أن تقضيه بجانبه وهو ما لا تريده بالتأكيد. لكن إنسانيتها وعاطفتها جعلاها تبقى بجانبه طوال تلك الفترة. إلى أن قامت زميلتها بإخبارها عن مدى قلقها بشأن الوقت الذي تقضيه معه على الهاتف واقترحت عليها أن تضع بعض القيود على هذه العلاقة تجنباً لأي عواقب محتمله فلقد حان الوقت لإجراء بعض التغييرات الجديّة.

بدأت الموظفة بالتفكير فيما ستقوله لزميلها عندما يعاود الاتصال بها إلى أن وصلت حل. بحيث في المرة التالية التي اتصل بها زميلها قامت بتشجيعه على التواصل مع صديق لها كان قد توقف عن العمل. وقد وافق زميلها على ذلك، وبدورها بادرت الموظفة بالتحدث إلى مديرهما في العمل عن وضع زميلها وعن حاجته لقضاء إجازة لعدّة أيام ليحل فيها مشاكله، وهو ما ساعد في تخفيف من العبء الذي تتحمله الموظفة. وبالفعل لم يتردد زميلها أبداً في بناء صداقة مع صديقها. وهذه الصداقة الجديدة ساعدت زميلها أيضاً على التشجع لطلب المساعدة من أشخاص آخرين.

وبعد انتهاء إجازة زميلها وعودته إلى العمل، بدأت بوضع حدود جديدة، بحيث توقفت عن الإجابة على مكالمة زميلها في كل مرة يتصل فيها، وبدأت في مراسلته عبر البريد الإلكتروني. وعندما يأتي ويقف أمام مكتبها كانت تقول له أنها مشغولة بإنجاز بعض المهام وتطلب منه أن يراسلها عبر البريد للتحدث. ولقد شعرت أن كل المحاولات التي يقوم بها بعد أن عاد من الإجازة لم تشكل ضغطاً عليها، فكان من الواضح أن زميلها يحاول التماس ما إذا كانت لا تزال ترغب به كصديق أم لا. الآن هي تعرف أنه يعي الأمر تماماً وأن علاقتهما أصبحت أكثر توازناً وضمن حدود معينة فقط.

الحالة الثانية لموظفة تعمل كمسؤولة عن قسم المعلومات في شركة صغيرة تقدم خدمات التدريب المهني وكتابة السيرة الذاتية. قامت الموظفة بتوظيف صديقة لها من أيام الدراسة الجامعية في الشركة التي تعمل بها. وفي البداية كانت الموظفة تعمل على التوفيق بين علاقتهما المهنية وبين صداقتهما بشكلٍ منظّم، لكن مع مرور الوقت بدأت تشعر أنها لا تتعامل مع الأمر بموضوعية. ففي بعض الحالات كانت تتغاضى عن بعض الأمور السلبية التي تقوم بها صديقتها في حين أنها كانت تقف عند نفس الأمور في حال قام بها موظف آخر من الموظفين الذين يعملون تحت إدارتها. فعلى سبيل المثال، كانت تقوم بالتغطية على تأخيرها الصباحي المتكرر عن بعض الاجتماعات المهمة، والجدير بالذكر، أن صديقتها كانت تستغل تلك المعاملة الخاصة وتحاول تقديم الأعذار الشخصية دائماً. ففي بداية الأمر كانت الموظفة تتقبل أعذار صديقتها، لكن مع مرور الوقت رأت أن سلوك صديقتها بدأ يؤثر على باقي زملائها في العمل. لذا قرّرت وضع حد لهذا الأمر قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة. ولكن المشكلة كانت أنها لم تكن تعلم كيف يمكنها معالجة الحالة. فكان عليها إيجاد طريقة لكي تخبرها أنه يجب عليها التعامل مع تقصيرها في العمل لكي تستطيع الحفاظ على صداقتهما سليمة.

ولإيصال صورة الموقف بالكامل، قررت الموظفة أن تخرج مع صديقتها لتناول العشاء ليكون لديها الفرصة للتكلم معها وجهاً لوجه. وفعلاً ذهبتا إلى مطعم وجلستا على العشاء وبدأت الموظفة بالحديث مع صديقتها حيال الأمر، ولم تحاول توجيه أيّة اتهامات، ولكنها كانت صريحة بطرحها للمشاكل الحاصلة وأخبرتها بمدى تعاطفها معها بشأن الضغوطات التي تدفعها للتقصير في العمل، وأوضحت لها أنه بتقديم المبررات لها دوماً ستكون قد ظلمت باقي الموظفين الذين يعملون بجد أكبر.

كانت المحادثة لطيفة ومثمرة للغاية. فقد دفعت صديقتها لتغيير سلوكها في العمل. وعملتا بعد ذلك معاً لعدة أشهر أخرى إلى أن وجدت صديقتها عملاً آخر لتنتقل إليه. وذلك لم يؤثر على علاقتهما، فقد بقيتا صديقتين على الرغم من انفصالهما من ناحية العمل.

إذاً أهم النقاط الرئيسية التي يتوجب علينا وضعها في عين الاعتبار في حال واجهنا بروداً في العلاقة مع زميل لنا في العمل أو شعرنا بالنفور من العلاقة والرغبة بوضع حدود لها:

  • عليك أن تراقب أيّة إشارات تدل على أنك تكرّس الكثير من طاقاتك ووقتك لصداقتك على حساب عملك وإنتاجيتك
  • قم بتغيير نمط تواصلك حتى تساعد نفسك في قضاء وقت أقصر في التواصل مع الشخص الآخر
  • ساعد زميلك في الحصول على المساعدة والدعم من قبل أشخاص آخرين غيرك
  • لا تلقي اللوم على الطرف الآخر، فمن المحتمل أنك أنت من قام بخلق توقعات وأفكار غير صحيحة لدى الشخص الآخر في بداية العلاقة
  • لا تقم بقطع العلاقة كليّاً، وسيكون من الجيد وضع حدود لها بشكل تدريجي
  • لا تستسلم للضغوطات التي تتعرض لها من زميلك، والتزم بالحدود التي كنت قد رسمتها لتلك العلاقة
نشر هذا المقال في تاريخ
31/1/2020
تحت تصنيف
التواصل

المصادر:

1. المرجع الأول
2. المرجع الثاني
3. المرجع الثالث
4. المرجع الرابع
5. المرجع الخامس
6. المرجع السادس

التواصل

المزيد »